فتحي عطوة (القاهرة)
في بلد مثل أندونيسيا التي تعتبر الدولة الرابعة في العالم من حيث عدد السكان (234 مليون نسمة العام 2007) ، وفي بلاد مترامية الأطراف مساحتها مايقرب من مليوني كيلومتر مربع وتضم أكبر مجموعة جزر في العالم (حوالى 17508 جزر) ، من الصعب أن يتفق السكان على رأي واحد في ما يتعلق بشخصية مثل سوهارتو . فحكم هذا الرجل الذي دام مايزيد عن ثلاثة عقود يختلف عليه الناس الآن بعدما فارق عالمنا يوم أمس الأول 27/1/2008 . اختلفوا ومازالوا حول طبيعة حكمه هل كان صاحب القبضة الحديدية ؟ أم كان صاحب المشروع التنموي لأندونيسيا ؟ هل حقق لشعبه مالم يستطع غيره تحقيقه وجعل من بلاده أحد النمور ؟ هل حافظ على الاستقرار أم لا ؟ أم أنها لعبة السياسة بكل مافيها من خفايا ودهاليز ؟.
ابنة سوهارتو يبدو أنها تعلم ذلك ، ودعت الشعب الإندونيسي للتسامح عن الأخطاء التي قد يكون قد ارتكبها خلال حكمه ، فقد خلف سوهارتو، الذي حكم إندونيسيا لمدة 32 عاما، إرثا مثيرا للجدل.
فقد أطيح بالجنرال السابق من منصبه في الحادي والعشرين من مايو 1998 وسط أزمة اقتصادية ضارية واحتجاجات وأعمال شغب في جاكرتا. وقادت السنوات التي أعقبت الإطاحة به والتي شابها اراقة دم لاسباب طائفية وانهيار اقتصادي وضعف الحكومة بعض الاندونيسيين للحنين الى عودة نظام حكمه الصارم. وتلاشت هذه النظرة مع تحول اندونيسيا الى حكم ديمقراطي وتعافيها اقتصاديا.
ورغم ما أثير عنه من أقاويل بشأن الفساد وجمع الثروات ، رفض سوهارتو الاتهامات باخفاء ثروته في الخارج. وفي العام الماضي اصدرت المحكمة العليا حكما ضد مجلة “تايم” يقضي بدفع أكثر من مئة مليون دولار كتعويض لسوهارتو في قضية قذف بشأن قصة غلاف عددها الصادر في العام 1999 حيث ذكرت ان ثروته واسرته تبلغ حوالي 15 مليار دولار. واستأنفت المجلة الامريكية الحكم، ورفض سوهارتو الاتهامات باخفاء ثروته في الخارج ، وفشلت محاولات حكومات متعاقبة لمحاكمته بتهم الفساد فشلا ذريعا ، لأن المحاكم حكمت بأن سوهارتو مريض لدرجة تحول دون محاكمته.
ويقول بعض المدافعين عن سوهارتو إنه على الصعيد الشخصي نظيف اليد نسبيا ولكنه تغاضى عن إساءة أقاربه استغلال علاقاتهم به للفوز بعقود مربحة وصفقات مريبة.
محرر بلاده
ولد سوهارتو في 8 يونيو 1921 إبان الاستعمار الهولندي، لأسرة تشتغل بالزراعة في وسط جزيرة جاوا، وعاش متنقلا بين أمه وأبيه وأقاربه بعد انفصال والديه ولم يكن قد جاوز عمره السنتين.
تلقى تعليمه في مدرسة جاوية محلية، ثم عمل لفترة قصيرة في أحد البنوك ليلتحق بعد ذلك بجيش الاحتلال الهولندي سنة 1940. وفي سنة 1942 رقي سوهارتو الى رتبة رقيب.
وبعد اجتياح القوات اليابانية لإندونيسيا إبان الحرب العالمية الثانية اقتنع سوهارتو بإمكانية تحرير إندونيسيا من الاستعمار الهولندي فانضم إلى القوات اليابانية.
وفي سنة 1945 التحق بالجيش الإندونيسي حديث التأسيس بعد استسلام اليابان في نفس السنة وإعلان إندونيسيا الاستقلال، وشارك في حرب السنوات الخمس ضد هولندا والتي انتهت باحتلال القوات الهولندية للعاصمة جاكرتا ومدينة يوغاربكارتا. غير أن عمليات عسكرية قادها سوهارتو مكنت من استعادة يوغاربكارتا ومن ثم موافقة هولندا على الانسحاب من كامل الأراضي الإندونيسية باستثناء إقليم إيريان جايا الذي قاد سوهارتو حملة لاسترجاعه سنة 1960.
بعد الاستقلال تدرج سوهارتو في سلم الرتب العسكرية حتى انتهى إلى قيادة القوات الخاصة بحماية الأمن القومي والتي قاد بها العديد من العمليات العسكرية الناجحة للقضاء على حركات التمرد في مناطق متفرقة من إندونيسيا.
كما استطاع أن ينقذ حكم الرئيس سوكارنو سنة 1965 بقضائه على المحاولة الانقلابية التي شارك فيه أعضاء من الجيش الإندونيسي بالتحالف مع الحزب الشيوعي، وقاد بعدها سوهارتو حملة تطهير واسعة ضد الشيوعيين.
وفي العام 1966 أقنع سوهارتو الرئيس سوكارنو بأن يمنحه سلطة إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد والتي كانت نقطة التحول في الدور السياسي لسوهارتو حيث عينه البرلمان رئيسا بالوكالة سنة 1967 ثم رئيسا منتخبا سنة 1968 ليصبح الرئيس الثاني لإندونيسيا.
عرف عن سوهارتو اهتمامه بالجانب الأمني لإندونيسيا وقد زاد تركيزه عليه بعد توليه الرئاسة، ففي سنة 1975 أرسل قوات إندونيسية لتضم إقليم تيمور الشرقية إلى إندونيسيا بعد خروج الاستعمار البرتغالي منه.كما سعى إلى إعادة العلاقات السياسية مع الدول الغربية فأعاد عضوية إندونيسيا في الأمم المتحدة بعدما كانت قد انسحبت منها في عهد الرئيس سوكارنو بسبب اختيار ماليزيا في عضوية إحدى مؤسسات الأمم المتحدة، كما أعلن سوهارتو احترام إندونيسيا لجارتها ماليزيا. وعمل في بداية حكمه على تجميد العلاقات مع الصين.
ومن ناحية أخرى عزز سوهارتو مكانة بلاده الإقليمية فقادت إندونيسيا في عهده منظمة شعوب جنوب شرق آسيا "آسيان" وشاركت في محاولات السلام في كمبوديا. وسعى سوهارتو في التسعينيات من القرن المنصرم إلى إعادة تطبيع العلاقات مع الصين من جديد.
وفي عهده ازدهر الاقتصاد الوطني وأقدم المستثمرون الدوليون على الاستثمار في إندونيسيا، وتقدمت حركة الصناعة وتحقق رخاء اقتصادي للمجتمع الإندونيسي لم يشاهد من قبل. كما اهتم سوهارتو بالبنية الاجتماعية فطور التعليم وحقق قدرا كبيرا من التأمين الصحي.
بداية السقوط
غير أن ملامح أزمة اقتصادية حادة بدأت تلوح في افق إندونيسيا وبدأت الروبية الإندونيسية تفقد قيمتها وارتفعت نسبة التضخم بشكل كبير واتسعت دائرة البطالة وأعلن مديرو صندوق النقد الدولي استحالة استقرار الاقتصاد الإندونيسي مع وجود سوهارتو في الحكم.
ومارس سوهارتو إجراءات تقشف اقتصادية سنة 1998، وقد أحدثت الإجراءات أزمة ثقة في نظامه على المستوى الداخلي.
وفي مارس 1998 أعاد مؤيدو سوهارتو في البرلمان انتخابه رئيسا للبلاد للمرة السابعة ، ولم يمض من ولايته إلا شهور قليلة حتى خرج الطلاب في مظاهرات عارمة احتلوا أثناءها العاصمة جاكرتا وحاصروا البرلمان مطالبين بإصلاحات ديمقراطية لينتهي الأمر باستقالة الرئيس سوهارتو في 21 مايو 1998 ، وحين استقال في نهاية الامر سلم السلطة الى نائبه وتلميذه يوسف حبيبي الذي خلفه في الرئاسة عبد الرحمن وحيد ثم ميجاواتي سوكارنو ثم سوسيللو بامبانج يودويونو. وعلى مدار العقود الثلاثة التي حكم فيها سوهارتو أظهر ذكاءً سياسيا وقام بتأليب الجماعات المتناحرة على بعضها البعض وقمع المعارضة السياسية. وحقق نظام القانون الجديد الذي اصدره قدرا كبيرا من الوحدة في اندونيسيا، البلد المتعدد الطوائف ، وكمعارض قوي للشيوعية حظي بمساندة الغرب وبصفة خاصة واشنطن التي اعطت في هدوء الضوء الاخضر لغزو اندونيسيا الوحشي لتيمور الشرقية في العام 1975.
ولم تعترف الامم المتحدة ابدا بضمها ولم توافق اندونيسيا على استقلالها الا بعد الاطاحة بسوهارتو.
وكانت اندونيسيا في وقت ما احد النمور الاقتصادية وكانت من أكثر الدول تضررا من الازمة المالية في المنطقة في عام 1997-1998.
ما بعد الرئاسة
استقر سوهارتو بعد مغادرته الحكم برفقة أسرته في إحدى ضواحي جاكرتا، متواريا عن الأنظار والظهور الشعبي إلا قليلا. ووضع سنة 2000 في بيته تحت الإقامة الجبرية عندما بدأت السلطات بالتحقيق في ثروته. ولم يحضر سوهارتو المحاكمة التي اتهم فيها باختلاس 571 مليون دولار، لتمويل مشاريع يديرها أفراد من أسرته، نظرا لحالته الصحية المتدهورة.
ثم أعلن عن محاكمته من جديد سنة 2002، لكنها توقفت بعدما أعلن الأطباء عن إصابته بمرض في الدماغ، ثم تكاثرت عليه الأمراض بعد ذلك الأمر الذي أجل محاكمته إلى حدود سنة 2005.
وقد أعيد فتح ملف محاكمته سنة 2006،حيث طالبت المحكمة بإجراء فحوصات طبية عليه لإثبات إمكانية محاكمته لكن دون جدوى. وقد رفضت المحكمة العليا في إندونيسيا سنة 2007 تعويضه بمبلغ 128 مليون دولار. وقبل رحيله بثلاثة أسابيع أدخل إلى المستشفى وهو يعاني من متاعب في القلب والرئتين والكليتين.