جوزيف حرب (الترجمة)
“العشب يغني” هو في آن “معاً” رواية بسيطة وتحليل سيكولوجي واجتماعي معقد. انه تشريح للعلاقات بين الاعراف والاجناس، في”روديسيا” الامبريالية واكتشاف للتفرع الثنائي الذي لا زمن له، بين الثقافة والطبيعة.
لعل الاهمية القصوى لهذا الكتاب تتجلى عندما تنبري الكاتبة الى توصيف ايديولوجية المستعمرين البيض في افريقيا. وبنوع خاص، فان الفكرة القائلة ان العنصرية المتطرفة تتطور وتنمو انطلاقاً من حاجة لتبرير الاستغلال، هي فكرة مثيرة للغاية. فليس الامر ان البيض يقمعون السود لانهم يكرهونهم، بل انهم يكرهونهم لان عليهم ان يقمعونهم وينكروا عليهم قيمتهم الانسانية، بغية الحفاظ على مستواهم المعيشي. لذلك يتوجب على الوافدين الجدد من بريطانيا ان يتعلموا كيفية التعامل مع اهل البلاد الاصليين، وكيفية الشعور ازاءهم. كما ان البيض الفقراء هم محتقرون لانهم يبدون انهم لا يحترمون خطوط الالوان.
ان الابطال الاساسيين في هذه الرواية هم “ال تورنرز” و “ديك” و “ماري”. و “ديك” هو مزارع فاشل، تعوزه الفطنة وروح المجازفة المطلوبة في كل مزارع. وهو يعاني دائماً من عبء الديون، ولا يحصل مطلقاً على غلال ومواسم جيدة، ولكنه ينجح في الاستمرار لانه يجب عمله، ويشعر بأنه مرتبط عاطفياً بمزرعته. اما “ماري” من ناحيتها فهي غير سعيدة في الحياة. فهي كانت تعودت على العيش في المدينة، حيث عملت كسكرتيرة، وكانت تزور النوادي، ودور السينما والمسارح وهي لم تتزوج “ديك” الا بعد ان الح عليها اصدقاؤها بأن تتزوج. لكن مواجهتها بالوقائع الصعبة والقاسية في الريف ازعجتها الى حد التدمير. وها هي “ماري” تكره الشمس، والسكان الاصليين، والغابة. وبكلام مختصر تكره كل شيء له علاقة بالطبيعة المضادة للثقافة. وفي النهاية يسيطر عليها البؤس لدرجة اغراقها في حال من الهذيان الشامل.
ويحتوي هذا الكتاب على العديد من الرؤى, وتنجح الكاتبة “ليسنغ” في وصف الجوانب الطبيعية والاجتماعية بشكل دقيق ومفصل. كما ان عرضها الخاص لقيم المزارعين البيض، له تأثيره الكبير والشديد.
وفي النهاية، هذه هي رواية رائعة ومأساوية بالفعل، وتستأثر باهتمام القارئ حتى السطر الاخير منها. ويبدو ان “دورا ليسنغ” نجحت في التقاط جمال افريقيا الخلاب، وبشاعة العلاقة الصعبة بين المستعمرين البيض واهل البلاد الاصليين كما ان الصورة السيكولوجية لبطلتها “ماري” هي في غاية القوة والاهمية.