لقد قرأت لأحد الكتاب وصفاً لشخصية (جورج أوريل) الكاتب الإنجليزي الشهير معلقاً على ميل (أوريل) الدائم لتقييم الناس بصدق والتصرفات والأحداث تقييماً أخلاقياً فقال القول الطريف التالي (إنه لا يتصور أوريل وهو يخرج المنديل من جيبه لمسح أنفه دون أن يتطرق فكره إلى الجوانب الأخلاقية لصناعة المناديل).. لم أعرف في حياتي كثيراً ممن يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف ولكنني واثق من انطباقه على صديقي الجميل (عبدالمحسن القحطاني) وهذا العبدالمحسن لمن لا يعرفه لغز بكل معنى الكلمة فعلى الرغم من كونه رجلاً مالياً محترفاً يفترض أن يكون عموده المفضل في الصحف اليومية هو عمود (حركة المال) وليس حركة الجمال إلا أنه قارئ بدرجة أديب وكاتب يكتب بهوى شخصي.. صاحب كلمة جميلة مرحة خفيفة أخف من الريشة.. أسلوبه آسر ووصفه قوي ومشاعره عميقة.. أحياناً يصف الأحداث مثل مذيع المذياع الذي يعدد أسماء اللاعبين المعروفين لمباراة رياضية معروفة بصوت بطيء لفتح شهية المستمعين.. يكتب لي دائماً عندما يفرح.. يهطل مثل مطر بنفسجي في حلم وعندما يحزن تلامس كلماته أفئدة الصخور.. كتب لي بالأمس القريب عن حوار استمع إليه في إحدى المحطات المحلية (أنا حريص يا أبا فراس كل صباح على متابعة برنامج «ستة الصبح» في إذاعة «UFM» الذي تقدمه الإعلامية المتميزة نوف السلطان.. أم سعود.. صاحبة صوت إذاعي متميز جدا وثقافة لا تقل تميزاً.. ينساب صوتها كجدول ماء رقراق.. صوت صباحي بامتياز من ذلك الصنف الذي تألفه الأذن وتتصالح معه بالإضافة إلى لغتها السليمة ومخارج حروفها فهي تتحدث الفصحى بشكل يشعرك بجمال اللغة العربية وعظمتها أيضاً عندما تتحدث بعاميتها النجدية في بعض المواضع للتجديد ولمخاطبة بعض الشرائح لعلمها أنها تخاطب شرائح متعددة.. إضافة إلى ما تتمتع به من لباقة وحسن تصرف.. برنامج متنوع..أدبي.. ديني.. اجتماعي.. تحفيزي.. يحرص على بث روح التحدي والإقبال على الحياة).

(الزبدة)

اتصلت امرأة بدوية من إحدى القرى.. في بداية اتصالها قالت وبشكل مفاجئ ويدعو للاستغراب: هشش.. امشي..!؟ قالت لها أم سعود عذراً أختي لمن كنتِ تقولين: هشش.. أمشي!؟ قالت بكل بساطة وعفوية العالم.. لا بس واحدة من أغنامي كانت تبي «تريد» سحب الراديو!؟.. ثم تحدثت بعفوية وفطرية لم أشهد مثلها من عقود.. قالت: أستاذة نوف أنا دائماً أستمع لك وأستمع لكلامك عن التحفيز وتحقيق الأحلام وقررت أن أحقق حلمي! فما هو حلمها يا ترى؟ طبعاً كانت تتحدث وأصوات الأغنام في الخلف.. قالت أنا أعيش في قرية عدد بيوتها أحد عشر بيتاً وعدد سكانها ٧٥ شخصا قررت أن أفتح بقالة صغيرة تخدم أهل قريتي من الصفيح بجوار منزلي وقررت يكون الافتتاح بعد أربعة أشهر من الآن.. كل ذلك وهي منطلقة وبعفويتها التي لم تفقدها طوال حديثها وبفرح شديد.. وتكمل: سوف تكلفني البقالة فقط ١٥٠٠ ريال جمعت نصف المبلغ وبعد أربعة أشهر سوف يكون المبلغ قد اكتمل!؟

وسوف أطلق عليها اسم «بقالة أم سلمان بقالة وأكثر» أضع فيها ملابس ومواد غذائية.. وبذلك أحقق حلمي وأزيد من دخلي.. لم تطلب مساعدة.. كل ما أرادته هو إيصال نيتها وحلمها لإنسانة عززت فيها جانب تحفيز الذات والصبر على تحقيق الحلم مهما كان صغيراً وبسيطاً.. والله يا أبا فراس بكيت وكان ابني معي ونحن في الطريق إلى المدرسة.. سألني ابني لماذا بكيت.. هل تبكي من أجلها!؟ قلت له: أبكي على عفويتنا وبساطتنا التي افتقدناها..

أكتب لك يا أبا فراس وأنا ما زلت أبكي أين ذهبت بساطتنا.. أين ذهبت قناعتنا.. وأحلامنا البسيطة.. لماذا أصبح الجشع والخبث والمكر هو من يحكم كثيرا من تصرفات الكثير من الناس!؟

آه.. يا عبدالمحسن لقد فعل بي مقالك ما يفعله النشيد الوطني بصدر المغترب.. نعم وأنا بكيت أيضاً.. فقد فقدنا عفويتنا وبساطتنا وأحلامنا البسيطة وأكثر من ذلك!

fouad5azab@gmail.com