سألت مرة أحد الأصدقاء من أثرياء الغفلة عن أنجاله في أي مدرسة هم؟ فأقسم لي أنه لا يعرف اسمها، وكان صادقاً وأقسم لي أيضاً أنه لا يعلم بأي صف هم ولا ماذا يدرسون ! واعتذر بأن مشاغل الحياة الكثيرة تحول بينه وبين الاضطلاع بمثل هذه الشؤون، وكنت أزوره في قصره يوماً ولم أستطع أن أحصي عدد الخدم والسائقين في القصر، وتعرفت على زوجته وعلمت أنها قد قررت تعطيل أمومتها لتحافظ على أنوثتها، بل واسترسلت ساخرة لو كنت أستطيع استئجار رحم لفعلت حتى لا أرهق نفسي في الحمل والولادة.. وغيرها كثيرون ممن تنازلوا عن واجباتهم تجاه أطفالهم، فلم يعد صراخ الطفل يحرك فيهم ساكنا داخلهم، لأن هناك من تهرول لهم إنها الخادمة التي تكفيها واجبات الأمومة وتقدم لطفلها حضناً وحناناً كاذباً مقابل الأموال التي تحصل عليها، وشيئا فشيئا يتعلق الطفل أكثر بالخادمة وينسى أمه، ربما يعرفها شكلاً لكنه لا يرتاح أبداً على صدرها ذات مرة، فاهتمامها ومظهرها واحتفالاتها وسفراتها أهم بكثير من حاجة طفلها لها.. لقد أكدت الدراسات النفسية أن الطفل يولد في الأصل صافي الذهن من ناحية المخزون اللغوي ويخزن كل ما يسمعه ويحفظه، كما أن هذه المرحلة التي تسبق الاكتساب الشخصي يتعلم الطفل خلالها من الأشخاص المقربين مثل الخادمة والسائق فتدخل في ذهنه ويختزلها ويقوم باسترجاعها بعد ذلك.. وكلما ارتفع مستوى الأسرة المادي كانت الخادمة أو المربية من ثوابت الوجاهة الاجتماعية، وفيما يبدو أن بعض الأسر تناست أن الخادمة يقتصر دورها على تنظيف المنزل والتعامل مع الخضروات في المطبخ، ولكن انشغال الأم جعلها تتكئ على الخادمة في تربية الطفل.. تلاعبه.. تطعمه.. تضاحكه.. تبدل ملابسه.. تغسله.. تعتني باحتياجاته.. ترافقه للنزهة لتصبح الخادمة في النهاية بطل حياته وقدوته في كل كبيرة وصغيرة.. حتى اللحظات الحلوة أصبحت أحلى معها وبها فهي لا تقول «لا» ولا تعترض على أخطائه، وبعدها نفاجأ على قول الطبيب النفساني العبقري الدكتور «جمال سالم الطويرقي» بسلوك الطفل الشاذ وميله للانطوائية والعزلة أو أن لديه ميولا عدائية أو صدور ألفاظ غير مناسبة.. لينتقل الطفل بمفرداته اللغوية المطعمة بلغة «التجالو» الفلبينية، و«الأردو» الهندية، و«الإنجليزية» الركيكة، وقد يصاب «بالثأثأة» أو«الفأفأة» أو«التهتهة» لينتهي به الأمر إلى مدرسة طلابها يعدون بالمئات تعج بالمعلمين المشغولين بشؤون التدريس داخل الحرم التدريسي وأعمال أخرى خارجه، فمصاعب الحياة عديدة تشغلهم أحياناً عن مهمتهم الرئيسية الملقاة على عاتقهم وهي «التربية والتعليم وتقويم الأخلاق»، وبذلك أصبح فعلاً وكما أشرت في العنوان، المشغولون ثلاثة الأب والأم والمعلم والضحية واحدة وهو الطفل الناشئ، تتولى تربيته الخادمة فتكسبه عاداتها وتقاليدها وأخلاقها.. ويا للأسف!! ومن وجهة نظري أن الأمور لن تستقيم ما لم يعتبر الأب التاجر أن ابنه زبون من زبائنه حدد له موعدا لمقابلته كل مساء في السادسة، والأم المشغولة تعتبره حلقة مشوقة من الحلقات التركية التي تحرص على مشاهدتها، ويعتبر المعلم تربيته جزءا من المنهج الدراسي أو فصلاً من فصول الدين والقواعد والحساب لا بد من تدريسها بإتقان خشية سقوط الطالب في الامتحان.. لا بد أن يفهم الثلاثة مجتمعين أن ثمة ضحية بريئة وأنهم مسؤولون أمام الله ووجدانهم عن هذا التقصير.. فحرام أن ينشأ أبناؤنا يتامى ونحن على قيد الحياة.. فليس اليتيم فقط من مات والداه..اليتيم على قول «شوقي»: «ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً.. إن اليتيم هو الذي تلقى له أُماً تخلت أو أباً مشغولاً...»

fouad5azab@gmail.com