والقطيع هم الحشد من البشر الذين يتبعون لمشيئة فردية، لا يسألونه لماذا ولا كيف أو متى بل ينقادون لأوامره دون وعي أو تفكير، كما هو حال فرعون وقومه (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

ومع الانفجار المعلوماتي وسيطرة الوسائط الحديثة فقد صار لهذه الوسائل نجومها أو لنقل قادتها، كما أن لهذه الوسائط قطيعها الذي ينقاد للتبعية، فينحاز ويعيد ويرتوت لهذا المغرد النجم في «خرفنة» واضحة يتطأطأ فيها رأس التابع، سواء شطحت مقالة المتبوع في عدوانها وزيفها أو انبطحت مسرفة في تمجيدها ومبالغاتها.

ولا شك أن تويتر قد جنى على المصداقية والموضوعية وخلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح والمستحق بغيره.

وأن تويتر قد رفع أقواما من وضاعتهم وهامشيتهم وطائفيتهم وعنصريتهم وجعلهم من سدنة الرأي وحراس الفضيلة الذين يدعون البصيرة ويوزعون المشورة، لأنهم يوحون للتبع من مريديهم أنهم يملكون الحق المطلق والحقيقة الغائبة بما لا يدع مجالاً للأخذ والرد، وقد جبلت بعض النفوس البشرية على اتباع الهوى وما تمليه عليه نفسه حتى ولو كان ذلك مما لا يقبله العقل ولا تسيغه الفطرة الإنسانية لكنها - أحيانا - النفس الأمارة بالسوء وهكذا نجد الأكثرية (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس).

ثم إننا قد صرنا في زمنٍ آلت فيه القيمة للمخالف أو الخارج عن الناموس على النحو الذي سمح بتسنمها للكذوب والمجادل والفاجر في الخصومة، حتى قيل إن من علامات الساعة الصغرى قلة العلماء وإمارة السفهاء ما يعني رفع العلم وظهور الجهل، حتى صرنا نرى كيف تصدر الوضعاء والصغار المشهد وقد غدوا رموزا يُلاَحقون في وسائل التواصل الاجتماعي أو في الملتقيات العامة.

ومن هنا فقد باتت الحاجة ماسة لأن نتولى بأنفسنا، لكن ضمن نهج مدروس، الإعلاء من قيمة المفكرين والمثقفين والعلماء الحقيقيين، وأن نتواصى على إبراز القدوات من النماذج المتميزة والتي تنزوي غالباً إلى الهامش، منصرفة عن الانغماس في توافه الأمور في انحياز واضح إلى المسيرة الجادة في التعلم والتنور ثم الازدياد في الاغتراف من ينابيع العلم الرصين والنأي عن السفسطة أو اللغي في نتون العنصرية ومهابط الطائفية أو ترفيع الهامش من الأمور.

إن علينا إشاعة الوعي لدى الناشئة كيما يدركوا الفروقات الجلية بين الفسطاطين، ثم ليعلموا أن حجم المتابعة وكثرة المؤيدين ليس بالضرورة أن يكون دليل صحة وصواب، قال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وإن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون). ‏