كان هادئاً عندما كان كل ما حوله يموج بالصخب. وقد يرتاب بعض المجلجلين من غلبة الصمت لدى البعض وانصرافهم عن الجدال فيما يأنس الصامتون للجلبة من حولهم.

في الغرفة 349 ظل كعادته ساكناً وهادئاً كحاله معظم أيام عمره، كان يعتاد المجالس فينزوي في ركن قصي يقلب عينيه ويطلق أذنيه ينصت لكل ما يدور باهتمام.

وإن سئل فقد يرد بكلمة واحدة وقد تشعر أنها أقل من ذلك إن رد هامساً.

كنت للحق أغبطه على ذلك لأنني على عكسه تماماً، فأنا مكلام ومسرف في الحديث وقد أسهب في التفاصيل وهذه مظنة الوقوع في الغلط وكثرة اللغط مخشاة للغيبة والنميمة، وربما شحناء النفوس وإساءة الظنون أو تأويل ما يقال على غير ما قيل فيه.

زرته في اليوم الأخير وكان متقرفصاً في سريره ومن حوله أولاده يتناوبون إمداده بالأكسجين. كان نبضه يتناقص، والوضع في صراع وتدافع بين أكسجينه الذي يتسرب ونبضه الذي يخفت رويداً رويداً، ساد الصمت والوجوم وعلت الدعوات وتوالى الرجاء لكن كانت كل المؤشرات الطبية تدل على أنه عازم على الرحيل.

تدافعت الممرضات يرفعن ويخفضن ويقتربن ويبتعدن وأبصار الحاضرين واجمة والصمت سيد المكان.

توالت الدعوات والرجاءات تصعد للسماء، لكن ورقة التقويم التي كتبت في الأزل تشير إلى أنه لم يعد من أهل هذه الدنيا.

في التاسعة والنصف مساءً تسارع الهبوط في كل شيء، فالنبض في أقله والضغط في أدناه والأوردة يجف جريانها.

كان كل شيء يوحي بالرحيل وقد تعالت الأصوات من حوله وارتفع النواح والوجيب، لكنه كان كعادته في كل سنوات عمره بقي هادئاً وصامتاً حتى وهو يمضي نحو الأبدية.

كنت شاهداً على حياته التي اتسمت بالتوازن والاعتدال، فقد أخذ من موسوعة الأخلاق بقدر وافر على نحو جعله بمنأى عن الخلاف والاختلاف والشقاق والمراء.

لم يكن له أعداء وكان مقلاً في انتقاء الأصدقاء، لكنه يحافظ على منتقاه منهم بالاستمرار والتواصل.

وكنت شاهداً على آخر لحظاته بعد أن تدرج في الانصراف خلال أربعة أشهر، انتقل خلالها من مستشفى إلى آخر ومن حالة إلى حالة ومن تردي وضعه إلى استفحاله، وفي الساعة الأخيرة شاع اليأس وانتكس الأمر وتتابعت أنفاسه تصعد وتعلو في صراع على البقاء، كنا نطلق الزفرات والحسرات لكنه كان يتسرب من عندنا بهدوئه المعتاد رغم أن كل ما حوله يموج بالصخب.

الحياة شجرة كبيرة عامرة بالأوراق التي تنمو في سيقانها بينما تتساقط منها التي جفت.

في مساء ذلك الاثنين 15/ 11 /1438

سقطت ورقة مكتوب عليها: عبدالمحسن الدريس إلى رحمة الله.