لا شك أن الثقافة هي بصمة الإنسان على الطبيعة، خاصة عندما يضفي عليها بعضا من ذاته وتوقه ويصيغها وفق حاجته.. وتزداد قوة الثقافة بقوة الفكر الذي يساندها.. و«بعض الفكر سحر»، أتذكر هذه المقولة المحورة كلما قابلت فكرة مبهرة أو استمعت لقول بليغ، فالسحر الكامن في الفكر العبقري لا يخفت أبدا، فالأفكار رموز نحيفة تدل على ما هو أكثر من وجودها.. يكمن ذلك في الظلال المتعددة التي تربط الواقع بحركة الزمن وبمكنون النفس.. الفكر الراقي أشد هذا الإبهار والسحر نصوعا.. لأن صاحب الفكرة يبذل قصارى جهده من أجل تحويل الأفكار الخفية في داخله والتي تغيب عن أفكار الكثيرين إلى اكتشاف معنى محسوس على الأرض.. هنا يكمن سحر الاكتشاف.. اكتشاف كل ما يرقد في الأعماق الدفينة ومشاركة الآخرين بها..

ساعي البريد سلمني في الظهيرة خطابا من بلدية المنطقة.. لم تستغرق عملية التسليم أكثر من دقيقة واحدة بعدها هبط إلى الشارع واتجه إلى بقيه المنازل.. أمسكت بقلبي كي لا يقع من تجويف صدري وأنا أقرأ الرسالة.. قرأت الرسالة وأنا أقول ما كل هذا السحر الذي يسيل.. كلمات سكنتني حتى الثمالة.. كانت الرسالة مختصرها أن بلدية المنطقة وبالتضامن مع رجال الأعمال تبنوا فكرة «استعن بالكتاب للقضاء على الملل» والفكرة ساحرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى مثل كل الأشياء الساحرة التي تعد بكنوز متنوعة وآثار غامرة.. وذلك بأن تقوم البلدية بنشر أكشاك خشبية صغيرة ذات نموذج واحد ومطلية بلون الأشجار التي تنمو مع السنين.. يودع فيها كل ساكن الكتب القديمة التي لديه أو الحديثة التي فرغ من قراءتها.. ولكل ساكن الحق في أخذ كتاب أو عدة كتب على أن يودع مثلها وذلك حتى ينتقل الكتاب من قارئ لقارئ.. تبسمت وأنا أقرأ الرسالة.. تحسست نفسي بهدوء.. كانت الرسالة ينقصها بعض الموسيقى الخفيفة لتصبح فيلما رائعا صامتا ويا له من فيلم..

في اليوم المحدد ظهرت تلك الأكشاك أمام البيوت مثل مردة الأساطير التي خرجت من المصباح السحري تمدد أجسادها.. كانت لافتة معدنية تعتلي واجهة الأكشاش «استعن بالكتاب للقضاء على الملل».. كانت الأكشاك تزحف على جميع أطراف الحي وتغمره بجمال باتع.. بعد ثلاثة أيام من ميلاد تلك الفكرة تقدمت أحمل بعض الكتب التي قرأتها لأودعها في جوف الكشك.. كان هناك طير يقف بسلام أعلى الكشك ينظر في عيني مباشرة يمايل رقبته يمينا وشمالا ويمرن ذراعيه.. كأنه يقول لي: كن مثلي هيا رفرف بذراعيك.. مع لفحات دفقات الريح الخفيفة على وجهي التفت إلى السماء.. سرب حمام كامل يحييني، كانت أجنحته تصفق وتدور في مناورة.. لكم تمنيت أن أحلق مثلها في سياق الزمن الممتد.. كورت راحة يدي حول أذني تذكرت ما يحدث لي دوما عندما أحلق بفكرة ما.. يظهر لي عباس بن فرناس لسبب أو لآخر..

التفت إلى كشك جارتي وجدتها زينت الكشك ببعض الزهور الصفراء والطيور والغزلان.. آخرون وضعوا شريطا ورديا بالرسم.. منظر لم يكن مسبوقا بالنسبة لي.. مرت أيام وأنا أتابع وألاحظ بتمعن وتنوع منظر السكان يتبادلون المعرفة.. كان الجميع لديهم قناعة أنه يمكنهم الحصول على كتاب مجاني جديد كل يوم، وأن السماء ترسل لهم أنوارا تسقط مباشرة على أرواحهم وعقولهم.. قامات كثيرة من أهم الشخصيات تقف بعرباتها يعبرون الرصيف يفتحون أبواب الأكشاك يتناولون كتابا أو اثنين ويودعون مثلها.. يبتسمون لصاحب البيت يحيونه بسرور ودفء وكما لو كانوا أصدقاء قدامى.. كان الجميع يقتربون من الأكشاك بفضول ويلمسون أبوابها بشغف.. شغف لم يستطع أحد أن يقاومه.. يتأملون الكتب بتعبير الاشتياق كأشخاص تناديهم المعرفة.. كأنهم منومون مغناطسيا نحوها..

حراك ثقافي ضئيل التكلفة وسعادة خاصة أصبحت تلك الأكشاك البسيطة تمنحها للسكان الأصدقاء والغرباء على حد سواء.. فكرة وإلهام حقيقي أضافا معنى جديدا للمنطقة وبعدا آخر للثقافة بحيث تحولت مقدمة البيوت إلى معارض للكتب في الهواء الطلق ومكاتب صغيرة تستقبل محبي الكتاب وعشاقه.. كانت الفكرة محاولة إيصال الكتاب إلى أكبر عدد من الناس وإخراج أعمال أدبية وعلمية وثقافية رهينة الجدران والأقبية للنور.. فعلا ما أجمل أن تكون مؤثرا في من حولك.. هذه هي الإنسانية الحقيقية في أسمى معانيها وأن يظل تأثيرك قائما وبشكل يومي بأفكارك وسحرك.. هذا منتهى الخلود.