‏منذ أن تولّى الأمير محمد بن سلمان رئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية عام 2015، اتضح لنا أن الأمير يريد أن يقدم رؤية جديدة لبناء وإصلاح ما هرم من مؤسسات الدولة بطريقة علمية ومهنية مستفيدة من تجارب الدول المتقدمة، لذلك بدأ مشوار الإصلاح مع برنامج التحول الذي أصبح أحد برامج ما أطلق عليها رؤية 2030، حيث شملت الرؤية: برنامج إستراتيجية شراكة شركة أرامكو، وبرنامج إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة، وبرنامج داعم، وبرنامج تحفيز نمو القطاع الخاص، وبرنامج التنمية المناطقية، ثم برامج إضافية مقبلة هي قيد الدراسة.

‏حديثي عن هذه البرامج ليس حديث شخص بعيد عن المشاركة فيها، بل منَّ الله علي بأن أكون مشاركا في برنامج التحول منذ بداياته في مطلع 2016، ولمست خلالها جدّية العمل من قبل وزارات عدة، حيث ترى بعينيك مستوى التعاون الكبير بين الجهات الحكومية، بعد أن كان التعاون بين هذه الجهات يحفّه كثير من العقبات البيروقراطية، لكن بعد إنشاء المجلس والتوجيهات الحكيمة من سمو الأمير محمد أصبحت هذه العقبات من حكايات الماضي.

‏لقد عرف الناس الأمير محمد بن سلمان خلال مقابلاته الأخيرة التي وضح فيها رؤيته المتماسكة بالأدلة والأرقام دون أن يكون ذلك مجرد وعود وكلام عائم في الهواء، لذا فإنني لما كتبت في تويتر بعد أول مرة أسمع فيها للأمير محمد عندما زارنا في فندق الخزامى ملقيا توجيهاته ونصائحه وتشجيعه لإخوته العاملين في كافة الوزارات، قلتُ وقتها بأن الأمير محمد كان مبهرا حقا، نعم تفاجأنا بواقعيته وبدقته وبرؤيته الواضحة لمعالم القوة والضعف التي يمكن أن نعالجها في مشاريع التنمية، فلم تكن تلك الرؤية الإستراتيجية نتاج عمل ارتجالي بل كانت مؤسسة على معالم وركائز عدة تتكون منها رؤية شمولية ناضجة.

‏الأمير محمد بن سلمان رجل قانون، وقد عمل في مجال الاستشارات القانونية والإستراتيجية في عدة جهات حكومية عليا قبل تسنمه مناصب تنفيذية أعلى في الدولة، لذا فهو يدرك تماما أن الإصلاح والتغيير يتبعه حاجة ماسة عالية لتغيير التشريعات، لذا ومع حصول هذا الوضوح والإدراك لدى قائد الرؤية وعرابها إلا أنني أريد أن أؤكد من خلال هذه المقالة البسيطة إلى أهمية رسم رؤية تشريعية متكاملة ومتماسكة تكون في أهمية الاهتمام بالإصلاحات التنفيذية في برامج التحول في الوزارات والجهات الحكومية الأخرى.

‏ولتحقيق رسم رؤية تشريعية شمولية ومحكمة يجب أولا أن تكون منسجمة مع تحقيق رؤية 2030 حيث ننطلق من الإستراتيجيات والفلسفات لكل قطاع من قطاعات الدولة إلى أن نصل لنسج رؤية إستراتيجية للتشريع تميّز فيها بين ما يمكن أن يبقى في مستوى نظام (يصدر بمرسوم ملكي) وما يكون أكثر مرونة تحت تحديد وتخطيط الجهات المنظمة لكل قطاع.

‏أيضا من الأمور الملاحظة، حاجة الرؤية التشريعية إلى أن تُبنى على دليل يصنف الجهات الرقابية والتنظيمية والتنفيذية لكل قطاع على حدة، يصنف مؤسسات الدولة وهيئاتها إلى تصنيفات يوضح المرجعية والتعيين والرقابة والمراجعة والحوكمات الداخلية لكل هذه الكيانات الحكومية وغير الحكومية سواء كانت ربحية أو غير ربحية وسواء كانت خيرية أو ممثلة لجهات مهنية أو تجارية، وهذه التصنيفات وجدناها في كثير من الدول حيث تصنف المسميات بشكل واضح.

‏وهذا ما نحتاجه، فعلى سبيل المثال نجد لدينا عدم وضوح في مفهوم (هيئة)، حيث تجد هذا المفهوم مختلفا من هيئة لهيئة أخرى بين كونها منظمة أو منفذة أو مزودة لخدمة في قطاع ما، أو كونها تخضع لنظام المنافسات أو لا، أو كون مرجعيتها للملك أو لمجلس الوزراء أو لوزير القطاع أو غير ذلك.

‏أيضا من الأمور التي تزيد من الحاجة لوجود الدليل الذي تنبني عليه رؤية تشريعية: قضية المرجعية القضائية لأحكام وقرارات بعض هذه الجهات والهيئات وفقا لطريقة تصنيفها هل هي جهات حكومية خالصة أو شبه حكومية أو مهنية، وحتى هذه الأوصاف أعني (حكومي أو شبه حكومي) لا نكاد نجد تعريفات نظامية معتمدة نستطيع الرجوع لها كمستند للتفريق بين أحكام كل منها.

‏الاهتمام برؤية إستراتيجية تشريعية متكاملة ضرورة تحتاج لأن تفرد ببرنامج مستقل مواز للبرامج الأخرى التي تندرج تحت رؤية 2030، وذلك لأسباب كثيرة منها ما سبق ذكره، ومنها أن الرؤية لا يمكن أن تتحرك بدون إطار تشريعي شمولي واضح ودقيق، يكون مستوعبا لكافة مجالات الرؤية في القطاعات ومتوخيا كافة الإمكانات التي تخدم تحقيق الرؤية.

‏وفي الختام، هنيئا لنا بهذا الأمير الشاب وليا للعهد ليكمل مسيرة ما بناه لتحقيق رؤية شعب يصبو للعزة والكرامة والغنى والتنمية، اللهم احفظ بلدنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين وحقد الحاقدين، يا أكرم الأكرمين.