في مدينة الأحلام «كنساس سيتي» مسجد كأنه بقعة من نور.. يبهرك بحجمه المتواضع ونقوشه البسيطة.. ورائحته رائحة العود القمري والتي تتجول فيه عبر عبق مصلين حرصوا أن يتجولوا في المكان كأنفاس الربيع بأطيب الروح.. أشعر في هذا المكان بأحاسيس غير مرئية.. تحتل مساحة من انتباهي.. أسمع وأنظر حيث الناس هنا أشبه بملائكة تعبر الظهيرة لأداء صلاة الجمعة يمشون بهدوء وسكينة واحترام للمكان مثل نسيم على صفحات الأبد.. جميلون نظيفون خاشعون دون رياء.. يذرفون دموعاً من نور.. يدخل جد كهل بثوبه المغربي الأبيض وقامته المديدة وبيده حفيده الطفل الذي لا يتجاوز السادسة، وجه الجد أبيض سمح مشرب بحمرة تحمل سنوات عمره المديد واستسلاماً مطلقاً لأحوال تغير السنين، والطفل راض لرفعه اليد التي تسحبه داخل عمق المسجد يتعثر في خطواته الأولى على طريق الله في بيته وعلى وجهه ترتسم براءة مسكونة ببراءة عصفور يحسو شربة ماء النبع.. يدخلان في زاوية صغيرة أمامي ويتأملون المحراب ويشاهدون نقوش السقف والجدران المزينة بخط كوفي متقن بآيات الذكر الحكيم.. يجلس الجد متربعا ومثلما فعل الجد يفعل الطفل.. يفرد الجد كفيه متجها إلى الله بالدعاء يراقب الطفل جده ويلتفت يميناً ويساراً يقترب الطفل من جده بعينيه السوداوتين المندهشتين طارقاً سؤاله «جدي.. جدي أقول إيه»؟ يعتدل الجد في جلسته وينحني قليلاً ناظراً إلى حفيده بنظرة تهبط من أعلى ملكوته، فيها من العطف ما فيها ومن التقدير ما فيها وفي اللحظة التي تلتقي فيها سماء الجد بسماء الطفل يجيب الجد «قول اللي في نفسك ادعي لبابا وماما بالخير ولكل الناس..» بس المهم يكون الدعاء من هنا ويشير إلى قلب الصغير.. حين يسمع إجابة جده يتربع الطفل رافعاً يديه إلى الملكوت ويخرج صوت الطفل بريئا ومستنجداً يا رب.. أسدلت كفي على وجهي وأغمضت عيني وشرعت في الدعاء الذي لقنتني إياه أمي «نورة» رحمة الله عليها.. عدت لأفتح عيني على صوت خطيب الجمعة كان الإمام أمريكيا من جذور مصرية.. كان يتحدث مبتسماً وبوجه مشرق وعينين تشعان ذكاء تبهران من ينظر إليهما فتشعلان الإعجاب.. كانت خطبته نقطة ضوء وسط عتمة ما يقال في بعض المساجد العربية من نكد أسود.. تحدث عن رحلته لألمانيا حيث قدم منها أخيرا، وأشار إلى أنها أحب دول العالم إليه لأنها بلاد جادة والنظام سمتها الرئيسية وأنها بلد تؤمن باللقمة والفسحة، فهم يعطون العمل كل الإخلاص وفي عطلتهم يمرحون ويغنون ولا يخلطون الجد بالهزل، وأن ذلك سبب تفوق الاقتصاد الألماني، وذكر كيف أن تلك البلاد استوعبت الكثير من المهاجرين وثابرت على تدريب شعوبها على التسامح الديني والعرقي لتصبح من الدول المتقدمة في هذا المجال بعد أن كانت ألمانيا أكثر الدول عنصرية في العالم في مرحلة من مراحل التاريخ، وأشار إلى تجربة فريدة في التعايش والتسامح طرحتها ألمانيا الموحدة التي عانت بعد انهيار سور برلين.. حيث تحطم السور ولكن جفوة السنين لم تتحطم، حيث تبنت الحكومة الألمانية سياسة تعليمية جديدة، وذلك بتوزيع التخصصات الجامعية على مدن مختلفة بحيث يتحتم على الطالب أو الطالبة الانتقال والاختلاط بعد المرحلة الثانوية من ألمانيا الشرقية للغربية والعكس لدراسة تخصص معين ومن خلال الاشتراك في الدراسة والتحصيل العلمي والإقامة في المدن الجامعية تنمو المودة وتزول الجفوة.. ويكتشف كل منهم أنهم شركاء في وطن ومصير واحد.. وتطرق أيضا إلى تجربة الهند قارة الأديان المختلفة والانتماءات العرقية المتعددة والفروق العميقة بأن تعمدت الدولة بخلق المصالح المشتركة بين الطوائف، فمن خلال العمل الجماعي الذي يعود بالربح على المجموع تتراجع الاختلافات العرقية والدينية والطبقية لتأخذ دوراً ثانوياً في المشهد كله.. واستعرض ما حصل في فرنسا عندما بدأ وباء التعصب يهدد المجتمع الفرنسي فأعلن وزير التعليم عن بدء حملة إدخال مادة الأخلاق في مناهج التعليم بعيدا جدا عن الدين لتتحول الأخلاق إلى أسلوب يمارس وليس إلى مواعظ وحكم دينية.. هذه كانت خطبة الجمعة.. هذه وردة واحدة أهديها لكم.. وردة واحدة من بستان ذلك الإمام المترامي الخضرة، والذي كلما اعتلى المنبر أضاء بخضرته المكان ودق باب القلوب والتي دائما ما يجدها مشرعة!

fouad5azab@gmail.com