ودع الوطن بالأمس القريب أحد أبنائه الكرام البررة.. الذي أمضى حياته منتميا إلى مهنة الصحافة والرأي والفكر والنقد البناء الهادف.. وإثراء الساحة الأدبية والثقافية بالرأي الذي كثيرا ما كان يحدث ردود فعل خلاقة.. وكي لا أتوه فإني أشير إلى تركي السديري أحد أبرز رموز الصحافة والفكر.. الرجل الذي أفنى حياته وعمره خادما للفكر وللنقد ولتسليط الضوء على الجوانب التي تستحق الإشارة.. كان جريئا لا تنقصه الصراحة.. لكن كان منطقيا ومتزنا.. كان يحرص (نسأل الله له الرحمة والمغفرة) على البعد كل البعد عن المجاملة وعن مسح الجوخ.. وكان أحد أساطين القدرة على الاعتدال والوضوح والشفافية.

عرفته يوم أن كان سكرتيرا لنادي النصر.. وكنت مسؤولا عن القسم الرياضي فى جريدة البلاد.. وأجريت معه حديثا رياضيا.. وبعدها التقيته في الرياض وهالني منظره.. إذ كان يعاني من قصور في النظر ولكنه لم يفقد البعد في النظر.. كان يرسم (ماكيت) الصفحة الرياضية لجريدة الرياض يبذل فيه جهدا جهيدا.. ثم ما لبث أن قفز قفزة نوعية لم يسبقه إليها أحد قبله.. إذ دفعت به ثقة زملائه في مؤسسة اليمامة إلى أن يتولى رئاسة تحرير جريدة الرياض.. الأمر الذي كان مفاجأة للجميع.. ولكن (أبو عبدالله) كان أهلا وجديرا لهذه الثقة.. وأعطته هذه المساحة حرية أخذ معها يمارس النقد في شجاعة متزنة وبأسلوب مقنن لم يفرضه عليه أحد.

تركي السديري يخلع عليّ لقب عميد الصحافة الرياضية:

كان يرحمه الله يتمتع بقيمة أخلاقية عالية.. ففي حفل تكريم الصحافة الرياضية للمرحوم بإذن الله فيصل بن فهد.. قدمني على أني عميد الصحافة الرياضية وطلب مني أن ألقي الكلمة الترحيبية لسمو المحتفى به (يرحمهم الله رحمة الأبرار).

إذاعة الرياض وتركي السديري:

وعندما بدأت إذاعة الرياض فى بداية التسعينات هجريا تصدى للبرامج الرياضية إعدادا.. وكان يقدمها المرحوم إن شاء الله سليمان العيسى.. وعندما انشغل تركي برئاسة التحرير وقد استولت على كل وقته وجل اهتمامه وكان يعاني من آلام في عيونه وعشق المرض جسده واستوطنه.. ومع ذلك لم يهدأ تركي السديري عن ممارسة الركض والبروز على السطح على المستوى الوطني والإقليمي والعربي.

تركي السديري ملك الصحافة:

ويكفيه فخرا وزملاءه من رجال الصحافة أن خلع عليه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز لقب ملك الصحافيين. الذي لا يعرفه كثير من الناس أن تركي السديري عرض عليه منصب وزير الإعلام ولكنه استنجد بشخصية كبيرة لها بعدها عند صناع القرار معتذرا.. ولما طلب منه ترشيح من يراه لم يجد حرجا بأن رشح زميله معالي الأستاذ إياد مدني وزيرا للإعلام وقد كان.

هكذا كان تركي السديري الرجل الإنسان الشهم القدير الذي كان يفرد صفحات كاملة تعزية لمشاهير الإعلاميين.. أحسب أنني لن أستطيع أن أوفي أبا عبدالله حقه ولكن ذلك جهد المقل.. أسأل الله له الرحمة وأن يعوضنا وأهله والمجتمع السعودي فيه خيرا.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد الرمضان والنظرة الإنسانية لسمو الأمير محمد بن سلمان:

الزميل محمد عبدالرحمن رمضان (أبو مريم) كان ملء السمع والبصر.. حركة دائبة لا تهدأ.. عرفته عندما جئت الرياض.. وكان هو والزميل معتوق الزايدي يشجعان الهلال.. وطلبا مني الانتماء إلى إدارة الهلال.. ولقيت شيخ الرياضيين كما يقال في الرياض عبدالرحمن بن سعيد.. وعندها كانت البداية.. ثم زاملت أبا مريم في كثير من المناسبات الداخلية والإقليمية.. وكان حساسا لدرجة كبيرة.. ولكنه ظل خلف المايكرفون يمارس التعليق على المباريات مع رفاقه زاهد قدسي وحسن سلطان وسليمان العيسى.. وكان التنافس بينهم كثيرا ما يتحول إلى صراع.. الأمر الذي أرهق كاهل الرمضاني.. ثم بعد فترة طويلة همش وافترسه المرض.. وكان كثيرا ما يؤلمه أن يظل بعيدا عن دائرة الضوء ويظل على هامش الحياة.. وأحس بالغبن وبالظلم خاصة من زملائه.

بادرة الأمير محمد بن سلمان:

ولكن ما لبثت اليد الحانية الكريمة لولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن تداركته في لطف وعناية إنسانية بالغة لتسهم في إحياء آمال الزميل الرمضاني وتعمل على توفير سبل الراحة والشفاء والسلامة له ولأسرته الكريمة.. وحسبي الله ونعم الوكيل.

abido13@yahoo.com