إبراهيم علوي (جدة)
i_waleeed22@

لم تكن إستراتيجية مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة تركز على محاربة الفكر المتطرف كظاهرة أو مشكلة عابرة، تحتاج لمبضع جراح يخيط الجرح سريعاً ليظل أياما يتشافى، بل تركز على التعامل الجاد والدقيق مع أصل فكرة الإرهاب، واقتلاع جذورها من أدمغة المغرر بهم، ولأن الإرهاب في جوهره فكر ضال، لا بد أن يحارب بالفكر المستنير وبالإقناع والحجة للقضاء عليه نهائياً.

وتأكيداً لذلك، حرص المركز على أن يكون النموذج الأمثل في المعالجة المتعمقة للمغرر بهم ليعودوا إلى جادة الصواب، واستمر في معالجة الفكر المتطرف على مدى ١٤ عاما، وظل هو المتخصص الوحيد في العالم الذي يتعامل بشكل فعلي مع قضايا الإرهاب والمعالجة الفكرية له بشكل مهني فحصل على الإشادة العالمية، وحظيت تجربته باهتمام كبير من قبل المتابعين والمراقبين الدوليين والمهتمين بشؤون الإرهاب وحازت على رضاهم واستحسانهم، بل وحرصت بعض الدول التي تعاني من الإرهاب على نقل هذه التجربة الرائدة إلى بلدانهم، فقال وزير السلامة العامة بكندا فيك توز خلال زيارته للمركز: «أقدم لكم شكري على خبرتكم التربوية القيمة، وأعتقد بأن وقتي الذي أمضيته اليوم هنا سيكون لي خير معين لمعالجة بعض المشكلات»، فيما تمنى رئيس وفد جهاز الأمن القومي لكازاخستان التوفيق والنجاح للمركز في جهوده في معالجة الفكر المتطرف.

واعتبر قنصل مصر العام بالمملكة السفير حسام عيسى أن «المركز مفخرة لكل عربي ونموذج عربي ناجح للعمل الجاد الخلاق الذي يهدف إلى التأثير الإيجابي في المجتمع، ويعد مؤسسة علمية واجتماعية مبنية على العلم والجهد، قدر لها أن تحقق هذا النجاح الرائع في أداء واجبها»، وقال عنه مستشار الأمن الوطني العراقي فالح الفياض «سررت بهذا الجهد الرائع والمشروع الرائد»، ويرى وزير العدل حافظ الأختام الجزائري الدكتور محمد شرتي أن المركز يؤدي الدور المناط به في معالجة ظاهرة الإرهاب.

تأهيل المنحرفين فكرياً:

أما وزير الأمن الكندي فيك لويس فقد ثمن العمل الإبداعي للمركز في تقديم العلاج الديني والنفسي والاجتماعي والفني للمغرر بهم، وهكذا توالت الإشادات بهذا المركز وأقر مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة ضمن وثائقه في دورته (الحادية والثلاثين من عام 2016 البند التاسع) الدور الريادي الذي يقوم به المركز في مجال مكافحة الأيديولوجيات والأنشطة الإرهابية بل وحث كافة الدول على اعتماد إستراتيجيات إعادة تأهيل ودمج المنحرفين فكرياً من خلال إنشاء مراكز وطنية مماثلة.

كل هذه الإشادات تؤكد أنه مركز مهم تتسابق الدول على الاستفادة من برامجه ومعالجاته، وهو ما ساهم في الطلب المتزايد من مختلف الدول والحكومات والمنظمات والجهات الدولية عليه، لذا عمل المركز على نقل خبراته وتجربته الرائدة في معالجة القضايا الفكرية للفئات المتورطة في الفكر المتطرف من خلال المشاركات والفعاليات الدولية ومختلف المؤتمرات والندوات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بقضايا الفكر المتطرف، وفي الوقت ذاته واصل المركز جهوده في تقديم مختلف الاستشارات والخدمات التدريبية المتخصصة لمختلف الجهات والمنظمات الحكومية في دول العالم العربي والإسلامي، ولم يكتف المركز بتلك المشاركات بل عمد إلى استقبال العديد من الوفود الدولية الزائرة للاطلاع من كثب على آلية وإستراتيجية العمل التي ينتهجها في معالجته لقضايا التطرف الفكري وما تمت تهيئته من إمكانات عالية المستوى لخدمة أهداف البرنامج.

انطلقت فكرة المركز بناء على توجيه ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، بضرورة إطلاق برامج المناصحة، فكانت المرحلة الأولى في عام (1425-1427)، وهي مرحلة النشأة، وتم خلالها وضع الأسس العلمية والعملية لنشاط (لجان المناصحة) لمعالجة الفكر المتطرف لدى الموقوفين بناء على مخرجات دراستين عمليتين أمنيتين لظاهرة الإرهاب، وبدأ العمل فعلياً بتاريخ 12/‏10/‏1425 تحت إشراف ودعم مباشر من وزارة الداخلية. العمل في المركز خضع للمراجعة والتطوير والتدقيق لتنطلق المرحلة الثانية وعرفت بأنها مرحلة التأسيس وكانت في (1428-1430) فصدرت بتاريخ 12/‏10/‏1427 توجيهات ولي العهد بتأسيس مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية إلى جانب (لجان المناصحة)، لينطلق نشاط المركز بداية عام 1428، وفي المرحلة الثالثة انطلق العمل المؤسسي فصدر أمر ولي العهد بإجراء دراسة علمية لتقويم مناشط المركز، وفي ضوء نتائج تلك الدراسة تم في بداية عام 1431 رفع مستوى المركز إلى إدارة عامة بمسمى (الإدارة العامة لمركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية) ووضعت اللوائح المنظمة لأنشطته والخريطة التنظيمية وفق الأسس العلمية والإدارية الحديثة، وجرى الانتقال بأنشطة المركز إلى (العمل المؤسسي) الذي يواكب ظروف ومتطلبات المرحلة وانطلق كمؤسسة إصلاحية، إنسانية متخصصة في تصحيح المفاهيم وإعادة التأهيل والدمج الاجتماعي.