عاش جمهور التراث وعشاق التاريخ على ضوء الأتاريك.. والأتاريك لمن لا يعرفونها، كانت هي النور وهي مصدر الضياء وهي شاهد الأفراح.. وقد كانت حفلات الزفاف تحت أضواء الأتاريك.. تنبعث الأفراح وتتبدد سحابات الظلام ويشتعل الفرح.. ويسكن جدة بل ويسكن قلوب الأهالى جميعا.. وقد كان النسيج الاجتماعي يؤكد صلة الترابط.. أقارب وأحباب وأصدقاء وجيران.. ما زلت أذكر من تلك المعالم الإنسانية النبيلة صفات تأصلت في أحداق وتحت أهداب كل العيون.. فقد كان الفرح يشيع الفرح.. وكانت جدة ومكوناتها أسرة واحدة.. فكان القود أو الرفد من معالم النبل الإنساني والأخوي.. وقد كانت روح التعاون مشاعة بشكل يرفع من شأن التناغم والتعاون.. فهذا يرسل مساهمة منه خروفا، والثاني يرسل كيسا من الأرز أو من الدقيق أو تنكة سمن.. وكان الزواج على فترتين.. الفترة الأولى فترة الظهر وفيها يقدم الغداء والثانية فترة المساء ويقدم فيها العشاء للحاضرين.. أما الذين لم يحضروا فترسل لهم طاولة فيها الأرز البخاري واللحم وفيها أيضا السمبوسك وفيها الطرمبة فى الغداء والعشاء.. ذلك تعبيرا عن الامتنان والتقدير للمساهمة المتمثلة فى القود أو الرفد.. وتلك سمات هي معلم تاريخي يعمق مدى الصلات الاجتماعية والأخوية.

وجميل جدا أن يكون مهرجان جدة التاريخي يحفل بهذه المظاهر الإنسانية من أجل أن يقرأ فيها جيل اليوم ملامح تلك الصفات القيمة والحبيبة التي هي رصيد يعمق مكاسب جدة التاريخية ويؤصل إرثها عبر السنين.

الجهد الخلاق الأمين وراء تفوق جدة:

لقد أجمع النقاد والمعنيون بالتراث على أن مهرجان جدة التاريخية قفز قفزات نوعية متقدمة عمد إلى ربط القديم بالحديث.. فقد بلغ عدد الزائرين نحو 517 ألف زائر طيلة فعاليات المهرجان التي استمرت 10 أيام وأتاحت الفرصة لاستذكار أصالة الماضي القديم واسترجاع الحياة التي عاشها الآباء والأجداد في أروقة جدة القديمة.. ولاقت قبولا وترحيبا لدى مختلف فئات المجتمع من كبار وصغار، رجال ونساء، لربطهم بتاريخ أسلافهم العريق.. كل هذا استدعى جهودا كبيرة ما كان لها أن تحقق ذلك التناغم والانسجام بين القيادات المسؤولة.. أعني سمو أمير المنطقة وسمو محافظ جدة قد كان ذلك هو القاسم الأعظم وراء النجاحات وكذلك هو حال أمين جدة وفريق العمل.

لقد ركزت الفعاليات لهذا العام على عرض الإرث التاريخي بطريقة ترفيهية.. ويعد ذلك الإدماج هو الأول من نوعه على مستوى مهرجانات المنطقة.. ومن أبرزها فعالية تقدمها إحدى الفرق العالمية على خلفية موسيقية حجازية عبر تسلق المباني الأثرية والتنقل بينها فى خفة مع القيام ببعض الحركات البهلوانية.. كذلك فعالية ادخل التاريخ (تاريخ جدة) التي تستعرض قصة جدة عبر عرض مرئي مدته سبع دقائق يتم خلاله تحويل القبة من الداخل إلى شاشة عرض كبيرة تعرض فيها قصة جدة ونشأتها بشكل تراثى عصري مبهر.

ولعل الشهادة الناطقة التى أدلى بما سمو الأمير سلطان بن سلمان، فقد أبدى‏ خلال جولته إعجابه بما شهده المهرجان من تطور في الفعاليات وعرض التاريخ بالترفيه عبر جلب أحدث التقنيات.. حيث شاهد سموه عرض القبة التاريخية التي تعرض قصة جدة قبل 2600 عام.. وأثنى سموه على التنظيم والإعداد الجيد.. وتنوع وتميز الفعاليات المشاركة وارتباطها التاريخي بالماضي الجميل.. إضافة إلى حرص اللجنة العليا المنظمة ‏على انتقاء الفعاليات ذات العلاقة بالتراث والقيمة الأثرية.

لقد نجحت اللجنة المنظمة للمهرجان لهذا العام على التجديد والابتكار في فعالياته ورسمت البسمة والفرحة على وجوه الزائرين وربطتهم بماضيهم العريق.. لتحقق الغاية المنشودة.. وحسبى الله ونعم الوكيل.

abido13@yahoo.com