لا يخفى على المتابع للتطورات أهمية «رؤية السعودية 2030» للوطن والمواطن، ونؤكد هنا على أن من أهم ركائز نجاح الرؤية هو فهم المواطنين بمختلف أعمالهم وأعمارهم لمعنى الرؤية وأهدافها وكيف سيكون تأثيرها المباشر وغير المباشر على حياتهم وحياة أبنائهم، عندها ستنطلق الرؤية وتحقق أهدافها بقوة وسلاسة من خلال دفع ذاتي يشارك فيه كل مواطن؛ ما يعني انتقالنا من مفهوم «الإدارة» إلى مفهوم «القيادة»، أي بدلاً من دفع الناس نحو الأعمال دفعاً للقيام بها بتثاقل ودون رغبة، اجعلهم يعملون نفس العمل راغبين محبين، وهو التعريف الذي لخص به الرئيس الأمريكي إيزنهاور تعريفه للقيادة، وأجده من أفضل التعاريف وأبسطها، سنكون وقتها قطعنا شوطاً كبيراً نحو تحقيق الرؤية.

كل هذا يعني أنه يجب الوصول لجميع شرائح المجتمع أو معظمها والتأكد من فهمهم للرؤية والمكاسب التي تمسهم بشكل مباشر وتمس المجتمع بشكل عام، فالتاجر لا بد أن يقتنع بأن تحقيق الرؤية سيؤدي إلى حصوله على مزيد من الأرباح والفرص مع تسهيل الأعمال وإزالة العوائق، ولكن هذا لا بد أن يمر على تنظيف السوق وتصحيح وضع العمالة والوافدين وتوظيف المواطنين، بعد فترة سيعوض التاجر التكاليف الإضافية والرسوم ورواتب المواطنين من خلال مبيعات أكثر وأرباح أعلى، ولنفهم كيف يحصل هذا، فهو قد نتج عن زيادة الموظفين من أبناء البلد وقدرتهم على الشراء وصرفهم الأموال داخل البلد بدلاً من تحويل المليارات إلى الخارج، وكذلك التقليل من التكاليف التشغيلية والهدر بسبب ضعف مستوى العمالة ومشاكلهم والغرامات التي تسببوا بها، وأما بالنسبة للمواطن العادي فلا بد أن يقتنع بأن تحقيق الرؤية سيؤدي إلى تسهيل بيئة الأعمال وممارسة التجارة، وبالتالي فتح مجالات وفرص أكبر وأسهل لرواد الأعمال والراغبين في الأعمال الحرة، وسيؤدي إلى فتح شركات ومؤسسات في القطاع الخاص وتوسعها وزيادة المشاريع مما يخلق المزيد من الوظائف بمختلف المستويات، وهذا ينعكس على مصلحته الشخصية بتوفر فرص أكثر وأعلى للدخل له ولأفراد عائلته، وسينعكس على المصلحة العامة بتقليل السرقات والديون والمنازعات وهدر الأوقات والأموال.

وليعيش المواطن هم الرؤية ويذوق طعمها ويفرح بإنجازاتها وما يتحقق من خلالها، توجد وسيلتان مهمتان لذلك؛ الأولى هي نشر نص الرؤية بعبارات سهلة وسلسة بين الناس بمختلف مستوياتهم العلمية والثقافية، وهو ما يجعلها -أي الرؤية- تلامس حياة الناس اليومية مع إدراك معانيها العامة ببساطة، وتحويلها من مجرد شعار عام إلى تحدٍ مشترك يشارك فيه كل مواطن من موقعه ومسؤولياته المختلفة، ويكفي أن يستشعر المواطن أن مجرد التزامه بالأنظمة والقوانين والإبلاغ عن المخالفات والفساد هو جزء أصيل من هذه المشاركة، وهذه الوسيلة أحد عوامل نجاح المؤسسات الكبيرة والصغيرة، فأي مؤسسة ناجحة ينتشر في إدارتها وأقسامها وعلى جدرانها وبطاقات موظفيها وموقعها الإلكتروني ما يذكرهم بالرؤية وأهدافها وشعارها ودورهم فيها، وقد أعلن عن ثلاثة محاور لرؤية السعودية 2030 وهي «مجتمع مزدهر واقتصاد حيوي ووطن طموح» يمكن أن تصاغ وتوظف بطريقة سهلة وتنشر في كل مكان.

الوسيلة الثانية للتحفيز وتستخدم أيضاً في إدارة التغيير الفعال ألا وهي اطلاع الناس على قياس التقدم والإنجاز الحاصل في الرؤية وأهدافها ومبادراتها من خلال استخدام الأنظمة المعلوماتية والمواقع الإلكترونية والتطبيقات، ليس المقصود هنا العاملين على الرؤية ومتابعتها فقط، بل كل مواطن يجب أن يلمس التغيير ويرى الأثر، فلا يكفي تقارير صحفية يعلن عنها كل سنة أو أشهر عدة، لأن تباعد هذه المعلومات يفقد الإنسان استشعار الموضوع وأهميته ويلغي شغف الاهتمام وكل ما يتبعه من محفزات أخرى تفقد طعمها.

*خبير تطوير الأعمال والمشاريع