قراءة: د. عبدالله المدني *
يـُنسبون إلى قرية «كله دار»، وهي بلدة تقع شرق منطقة بر فارس العربي بالقرب من بلدتي «أشكنان» و«تنكوسير». فإذا ما عرفنا أن مفردة «كله» تعني الماشية أو الأغنام بالفارسية و«دار» لاحقة بمعنى مالكها، فإن إسم القرية يعنى ملاك الماشية التي ربما اشتهرت بها تلك القرية. هذا استطراد لما ذهب إليه المهندس «محمد غريب حاتم» في الصفحة 49 من كتابه «تاريخ عرب الهولة، دراسة تاريخية وثائقية» الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1997 عن دار الأمين للطباعة والنشر في القاهرة.

وعليه فإن من يـُطلق عليهم اسم «الكلداري» أو «القلداري» (بفتح القاف ولفظها كالجيم المصرية المعطشة وفتح اللام) في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت وشرق المملكة العربية السعودية ليسوا سوى عائلات فاضلة تنحدر من أصل واحد، وإن اختلفت اليوم هوياتها القطرية ومنازل أبنائها ومهنهم وظروفهم المعيشية وتواريخ نزوحهم من الساحل الفارسي للخليج إلى الساحل العربي.

نزح الكلداريون أولا من قريتهم إلى ميناء «لنجة» على الضفة الشرقية للخليج العربي زمن حكم القواسم، حيث أقاموا وتصاهروا وعملوا بالتجارة وسيروا المراكب إلى البصرة والهند وأفريقيا وأسسوا المبرات وحفروا آبار المياه. كما آلت إليهم عن طريق الشراء بساتين النخيل التابعة للقواسم من تلك التي صادرتها الحكومة الإيرانية في أواخر القرن التاسع عشر، طبقا لما أخبرنا به حسين بن علي الوحيدي في الصفحة 73 من كتابه «تاريخ لنجة حاضرة العرب على الساحل الشرقي للخليج» الصادر في طبعته الثانية عن دار الأمة للنشر والتوزيع بدبي في عام 1988.

بعد سقوط الحكم العربي للنجة وما جاورها، وتحت ضغط البحث عن الأمان والاستقرار والتخلص من التميزين العرقي والمذهبي اللذين مارسهما الإيرانيون ضدهم، نزحوا مع غيرهم إلى الساحل العربي للخليج.

وعلى الرغم من وجود بعض المنتسبين إلى هذه العائلة أو القبيلة الشافعية في الدمام (مثل عالم الدين الجليل الشيخ أحمد الكلداري)، وفي الدوحة (مثل سلمان كلداري الرئيس التنفيذي لشركة مكين للتكنولوجيا، إحدى أكثر شركات نظم المعلومات الأمنية نموا في قطر والدكتور سعيد الكلداري أحد الأطباء الأكثر كفاءة في مجال الجراحة التجميلية في الشرق الأوسط)، وفي البحرين (مثل العديد من الشخصيات المعروفة في القطاعين العام والخاص)، إلا أن جلهم يتركزون اليوم في الإمارات العربية المتحدة. إذ كان ضمن دفعة المهاجرين من لنجة إلى الخليج عميد عائلة كلداري في دبي الحاج «إبراهيم بن حسن كلداري» الذي وصل إلى دبي في منتصف عشرينات القرن العشرين، واختارها دون سواها مكانا لسكناه ومزاولة نشاطه التجاري الذي ورثه عن والده الحاج «حسن كلداري» أحد كبار تجار لنجة المرموقين منذ العام 1879، علما بأن «إبراهيم بن حسن كلداري» عادة ما يـُشار إليه بإبراهيم الأول تمييزا له عن آخرين يحملون نفس الاسم من ذرية أبنائه.

كان إبراهيم الأول وقت قدومه إلى دبي من أغنى أغنياء الخليج، شماله وجنوبه. فبنى أول منزل من الطابوق المسلح في دبي سنة 1933 بعد أن جلب الطابوق بحرا من كراتشي. وكان قد تزوج قبل ذلك (عام 1931) من ابنة أحد وجهاء وأثرياء بلاد فارس ممن نزحوا مثله إلى دبي من لنجة، وهو السيد عبدالقادر عبدالله عباس البستكي الذي يقول عنه موقع تاريخ الإمارات الإلكتروني أنه كان أول من رست باخرته في ميناء دبي عام 1903 بدلا من لنجة، فاقتدى به معظم تجار لنجة، وأنه كان ذا ثروة طائلة آنذاك بلغت 18 مليون روبية (أو ما يعادل المليارات في زمننا الحاضر). أما ابنة هذا الثري التي تزوجها إبراهيم كلداري الأول فقد توفيت في «بمبي» ودفنت هناك في مقبرة العرب الواقعة في منطقة «كيرل واري» بجوار مسجد «ماريلوادي» الذي بناه الوجيه الكويتي المرحوم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي. هذه المقبرة التي تضم رفات العديد من أبناء الأسر الخليجية الذين وافتهم المنية في تلك الديار الحبيبة إلى قلوبهم، ولم يكن بالإمكان نقل جثامينهم إلى أوطانهم بسرعة بسبب بعد المسافة وانعدام الوسائل السليمة لحفظ الجثث آنذاك، حيث تضم المقبرة رفات زوجة الشيخ يوسف القناعي وابنه عيسى وزوجته وحفيده فيصل بن عيسى، وقبر رجل البر والإحسان الوجيه الحجازي الشيخ محمد علي زينل صاحب مدارس الفلاح المعروفة، وقبر السلطان تيمور بن فيصل آل بوسعيد جد السلطان قابوس سلطان عمان، إضافة إلى قبور أسر البسام والبدر والإبراهيم والكلداري والخاجة والبستكي وغيرها. أنجب الحاج إبراهيم كلداري الأول من الأبناء كلا من عبدالرحيم وعبدالوهاب وعبداللطيف وحسين ومحمد وحسن وعبدالله رحمهم الله أجمعين، كما أنجب أخوه الذي نزح معه إلى دبي الحاج عبدالله بن حسن كلداري العديد من الأبناء، ثم قام كل ابن من الذين وردت أسماءهم بالزواج والإنجاب في دبي حتى صار آل كلداري الموجودين حاليا في دولة الإمارات هم من الجيل الرابع، إنْ لم يكونوا من الجيل الخامس من الأبناء والأحفاد. على أن كل جيل، بطبيعة الحال، كان مختلفا عن الآخر السابق له لجهة المسيرتين العلمية والمهنية، وإنْ كان القاسم المشترك بينها هو الانخراط في الأعمال والمشاريع الخاصة. فمثلا عميد العائلة الحاج إبراهيم كان تعليمه في المدارس والكتاتيب التقليدية في بلاد فارس، وكانت تجارته تعتمد على المواد الغذائية والاستهلاكية المستوردة من شبه القارة الهندية. لكن أبناءه قدر لهم السفر في أربعينات القرن العشرين إما إلى كراتشي (مثل عبدالرحيم وعبدالوهاب) أو إلى بمبي (مثل محمد) أو إلى بيروت (مثل الابن الأصغر عبداللطيف) للالتحاق بالمدارس الداخلية هناك من أجل تعلم اللغة الانجليزية والمعارف الحديثة على أصولها قبل أن يعودوا إلى دبي للعمل مع والدهم والمساهمة المشهودة في نهضة وبناء وتطوير الإمارة.

نحتوا اسمهم كأهم بيوت المال العائلية

من أبرز أبناء إبراهيم كلداري الأشقاء عبدالرحيم (توفي في دبي سنة 1994) وعبدالوهاب (توفي في دبي سنة 2005) وعبداللطيف (توفي سنة 2002) الذين اشتغلوا في تجارة الذهب وحققوا من ورائها ثروة بملايين الدولارات في سبعينات القرن العشرين، قبل ان يـُطلقوا في عام 1961 «مجموعة كلداري إخوان»، وهي مجموعة تجارية سرعان ما وطدت أقدامها في داخل إمارات الساحل المتصالح، بل وتجاوزتها إلى خارج الحدود الجغرافية للإمارات، علما بأنها عملت في قطاعات متنوعة مثل: تجارة التجزئة، السيارات (وكالة سيارات مازدا اليابانية)، تجارة المعدات الثقيلة والمعدات الصناعية (وكالة كوماتسو اليابانية لمعدات البناء والحفر والتنقيب ووكالة شركة جيه سي بي البريطانية المصنعة للتراكتورات وحفارات البناء والزراعة)، الإعلام (تأسيس وملكية أول صحيفة يومية إماراتية ناطقة باللغة الإنجليزية في 1978 وهي صحيفة «غلف تايمز»)، الهندسة والإنشاءات (المساهمة في بناء الحوض الجاف في دبي والذي اكتمل بناؤه في عام 1979)، الضيافة والعقارات (بناء أفخم فنادق دبي سابقا وهو فندق حياة ريجينسي الذي افتتح في عام 1980 ثم تم بيعه بمبلغ 500 مليون درهم، وفندق الإنتركونتيننتال الذي افتتح في عام 1975 في خور دبي وهو الفندق الذي تغير اسمه الآن إلى راديسون بـُلو)، الصناعة الترفيهية (بناء وإدارة أول صالة سينمائية فخمة في دبي تحت اسم سينما بلازا في السبعينات)، المصارف (المساهمة مع آخرين في عام 1963 في إطلاق أول بنك وطني في دبي تحت اسم بنك دبي الوطني وهو البنك الذي تم دمجه لاحقا مع بنك الإمارات الوطني ليصبح بنك الإمارات دبي الوطني). وهكذا نرى أن عائلة الكلداري كانت لها بصمات في اللبنات الأولى التي شكلت نهضة دبي في قطاعات التجارة والإنشاءات والمصارف والصحافة والضيافة وغيرها. والمعروف أن «مجموعة كلداري إخوان» تعرضت لانتكاسة أولى في عام 1983 بسبب ديونها لبعض المصارف، وأيضا بسبب تراجع حجم الأعمال في الإمارات كنتيجة لظروف انخفاض أسعار النفط وتداعيات الحرب العراقية ــ الإيرانية. ثم تعرضت لانتكاسة ثانية بعد وفاة الشقيقين عبدالرحيم وعبداللطيف ودخول ورثتهما في نزاعات مالية. ولأن «مجموعة كلداري» شكلت قوة اقتصادية وتجارية لإمارة دبي منذ سنوات نهضتها الأولى، فإن زوالها أو تقلصها كان أمرا غير مسموح به، ولذلك أصدر سمو الشيخ مكتوم بن راشد المكتوم نائب رئيس الدولة/‏ رئيس مجلس الوزراء/‏ حاكم دبي في يناير 2003 أمرا بتشكيل لجنة قضائية خاصة للنظر في الخلافات الناشئة بين ورثة عبدالرحيم كلداري وعبداللطيف كلداري.

وهكذا أنهى التدخل الحكومي خلافات الطرفين فانتقلت «مجموعة كلداري» بعد وفاة مؤسسيها إلى الورثة من الجيل الثالث والرابع، فقام هؤلاء ـــ ومنهم إلياس ومصطفى عبدالوهاب كلداري، وسهيل الابن الأكبر لعبداللطيف كلداري المولود كوالده في كراتشي ـــ بإضافة خطط عمل جديدة إليها وتأسيس شركات فرعية تابعة للمجموعة الأم. حيث نرى أن المجموعة قد تمددت في تسعينات القرن العشرين إلى تجارة المجوهرات النفيسة والأحجار الكريمة، واستثمرت في صناعة الأسمنت من خلال مصنع في كراتشي بباكستان، كما استثمرت في قطاع الفنادق في الخارج من خلال بناء فندق خمس نجوم في كولومبو بسريلانكا. كما استثمرت في قطاع الترفيه العائلي، والتطوير العقاري، وأعمال الديكور، وبناء اليخوت، والنقل. وقامت في عام 1998 بتأسيس «شركة كلداري للمثلجات». والأخيرة هي الوكيل الرئيسي لعلامة «باسكن روبنز» في دول مجلس التعاون الخليجي وأستراليا، وتـُعرف بأنها أول شركة تدخل علامة تجارية عالمية للآيس كريم إلى المنطقة، كما تـُعرف بأنها الشركة المشغلة لأكبر سلسلة في العالم من محلات «باسكن روبنز»، حيث تضم هذه السلسلة 750 متجرا، منها 700 متجر في دول الخليج الست ومنطقة الشرق الأوسط، علما بأن «باسكن روبنز» جزء من شركة «دانكن براندز» الأمريكية الضخمة المتخصصة في تسويق مجموعة واسعة من المنتجات مثل المشروبات الساخنة والباردة والوجبات الخفيفة والمخبوزات وكعكة الدوناتس.

قلنا إن الأجيال الجديدة من العائلة في دبي اختلفت عن الجيلين الأول والثاني من ناحية التعليم والنشاط. فمثلا نجد ضمن الأجيال الجديدة من درس في أفضل الجامعات العربية والغربية، متخصصا في جملة من التخصصات الحديثة، وبالتالي التحق بعضهم بالجهاز البيروقراطي للدولة وصعد من خلاله إلى وظائف عليا، فيما فضل البعض الآخر أن يستثمر تخصصه في تأسيس نشاطه الخاص.


* أستاذ العلاقات الدولية - مملكة البحرين