ابراهيم عبدالله مفتاح
مجموعة «جزر دهلك» -التابعة لدولة إريتريا حالياً والواقعة على الساحل الجنوبي الغربي للبحر الأحمر- تعتبر ثاني أرخبيل جزري -في هذا البحر- من حيث العدد إذ يبلغ عددها -حسب بعض المصادر- «146» جزيرة وهي من حيث تكوينها الجيولوجي تشبه «جزر فرسان» المقابلة لها في الساحل الشرقي للبحر الأحمر في المملكة وهذا التشابه ليس بغريب اذا آمنا بفرضية ان هذه الجزر جميعها كانت كتلة واحدة ثم تزحزحت عن بعضها البعض، تحت تأثير عوامل جيولوجية معقدة كما حدث للقارات المعروفة التي انفصلت عن بعضها كما يقول الجيولوجيون إن صدقوا.
قد تكون هذه المقدمة غير متلائمة مع ما أريد كتابته ولكنها ضرورة فرضها السياق في الحديث الذي أوحى به تكاثر الغربان في جزيرتي «فرسان» هذه الأيام وهذه ظاهرة تشكو منها مدينة «جدة» وأمانة مدينة جدة ومما يشاع عنها أنها من عوامل تفشي «حمى الضنك» التي نسأل الله منها العافية.
الغراب -كما هو معروف عند العرب- طائر شؤم ونذير فراق بين المحبين، ومن هذا المفهوم انتشرت عبارة «وفرق بينهما غراب البين».. كل هذه التداعيات الخواطرية أعادتني إلى سنوات طفولتي الأولى عندما كان آبائي وأجدادي ومعارفي -من أبناء جزيرتي- يمتطون سفنهم الشراعية ويمخرون عباب البحر قاصدين جزر دهلك من منطلق مهنة الغوص والبحث عن الجوهر الثمين «اللؤلؤ» قبل ان تعرف معدات الغوص الحديثة وأنابيب «الأوكسجين» حين يلقون بأنفسهم إلى الأعماق معرضين حياتهم للخطر ولأفواه الحيتان المفترسة.
كانت رحلة الغياب الواحدة تمتد إلى ثلاثة شهور في ما اصطلحوا عليه باللهجة المحلية بمسمى «الجوش» بمعنى أن السنة عبارة عن ثلاثة أجواش وشيء من الراحة التي يدخل في عدادها شهر رمضان المبارك وأيام الأعياد وبعض المواسم التي تنفرد بها جزر فرسان وخلال تلك الأجواش تنصهر أم وتتلوع زوجة وتسيل مشاعر المحبين انتظاراً للقادمين من رحلات الغياب المحفوفة بالمخاطر وانهمارات غيوم الحنين.
الغربان التي لا يتفاءل بها أحد تملأ الأجواء بنعيقها وتصبغ حافات جدران المنازل بسوادها الداكن خاصة في مواسم حصاد قصب الذرة بحثاً عما تملأ به حويصلاتها.
في بعض الأحيان -وبشكل نادر جداً- يظهر من بين تلك الأسراب غراب وُشم على صدره ببقعة من الريش الأبيض يسمونه «غراب دهلك».. هذا الغراب يفتح في النفوس بوابات الأمل لعودة الغائبين مصحوبين بالعافية والرزق الوفير وحينئذ لا تملك أم لوّعَها البعد أو زوجة أضناها الفراق إلا ان تردد في عبارات متفائلة وأمل مشحون بأمنيات اللقاء «غراب دهلك ردّ لي على أهلي وأهلك» أي بلغ سلامي وتحياتي وأشواقي لمن أتيت من عندهم أو ستذهب إليهم.. زمن مضى وذهب معه ذلك الغراب الموشوم بالبياض ويبقى الأمل في ما عند الله خير.