في بداية هذا القرن المليء بالأحداث الجسام، والمنعطفات العلمية والتكنولوجية الهائلة التي أوصلت الإنسان إلى الفضاء، وشكلت علاقات حيوية بين الأرض والفضاء وفي أحشائه تحول الكثير من أحلام الإنسان العلمية إلى حقائق ومنجزات تقنية فاقت كل التصورات.. في هذا القرن الذي برزت فيه نظريات ومعارف شتى، بعضها تعرض للاندثار والنسيان، وبعضها الآخر لازال يوجه الإنسان ويرسم له منهاج عمل وخريطة حياة. فهو قرن يغص بالأحداث والرجال الذين عملوا على تغيير الكثير من المسلمات والبديهيات العلمية والاجتماعية والسياسية..
في بداية هذا القرن من المفيد أن نتساءل، أي ثقافة نريد؟ وتنبع أهمية هذا السؤال من هذا الزمن العربي المليء بالهزائم والانكسارات، والهجوم الدولي بكل أسلحته وتقنيته لاحتوائنا والسيطرة على مقدراتنا، وتوجيهنا الوجهة التي تناسب تطلعاته وخططه الكونية.
ابتداء ينبغي التمييز بين ما هو واقع وبين ما نريد بين التطلعات وبين الحقائق حتى نتمكن مما نريد تحقيقه أولاً بأول. والثقافة التي نريدها أن تتبلور في أذهان الناس وتتفاعل معها أرواحهم وعقولهم وتنعكس في أعمالهم وسلوكهم هي ثقافة البناء والتعمير لا ثقافة الهدم والتدمير ثقافة تعلي من شأن المبادرات الإيجابية والإنسانية حتى ولو كانت نابعة وصادرة من أعدائه ثقافة تنشد اتباع الأحسن بصرف النظر عن قاتله أو فاعله «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» ثقافة تبحث عن النعم للتحدث بها للناس وترغبهم فيها، لا ثقافة الترهيب والسوداوية.
ثقافة تبحث عن كل سبب ووسيلة إنسانية للبناء والتعمير وتتشبث بها، ثقافة تغرس في صاحبها الوفاء والإخلاص والصدق وإتقان العمل وبذل الجهد والطاقة في سبيل التطور والإبداع بصرف النظر عن المردود المادي لهذه المسألة ثقافة تجعل صاحبها شعلة نشاط وحيوية في سبيل عز الوطن ورفعة المواطنين.
ومن أبرز التحديات المصيرية التي تواجه الأمة والثقافة العربية والإسلامية اليوم التحدي الثقافي لما تشكله الثقافة من مرجع معرفي ونظري ويزود الإنسان والمجتمع بالأفكار والرؤى للتصورات التي توضح له الطريق وتنير له الدرب كما أن الأمة التي لا تبلور شخصياتها الثقافية وتلغي أو تهمش كينونتها المعرفية، فإنها ستحصر مستقبلها إذ لا يمكنها كأمة وكيان تاريخي وحضاري أن تحقق التطور المعاصر بدون الشخصية الثقافية الواضحة والصريحة.
وبنظرة فاحصة إلى كل الحضارات والأمم التي تطورت وحققت قفزات متقدمة في حياتها الحضارية نرى أن شرط تقدمها وتطورها هو الوعي بالشخصية الثقافية للأمة وأن عدم الوعي لهذه الشخصية لا يخرج الأمة فقط من زمنها ومحيطها الخاص بل يطردها الزمان والعصر الذي تعيش فيه مما يفرض عليها معارك وهمية شبحية لا تؤدي إلا إلى المزيد من مخاصمة الذات، وتبديد الطاقات وضياع الرؤية الصائبة.
فالثقافة العربية تمتلك من إمكانات وطاقات وتأثير في الحياة الاجتماعية وتتحمل مسؤولية جسيمة لإعادة اللحمة إلى الواقع العربي وتجاوز الإحن الداخلية التي يعيشها هذا الواقع سواء من مؤامرات الأعداء أو أمراض الداخل المزمنة.
وحدها الثقافة العربية برجالها ومؤسساتها قادرة في هذه الظروف على ممارسة دورها المأمول والفعلي في وقف مسلسل التفتت الذي يعانيه العرب في حقول حياتهم المختلفة وإرادة وقف الانهيار والتفتت لا تستعار ولا تستورد، وإنما هي تخلق خلقاً بالوعي العميق والتصميم المستديم والإدارة الخلاقة، وينبغي أن نتذكر أن التاريخ والراهن إمكانية مفتوحة، وأفق مشروع للعمل الإنساني الذي يحرك التاريخ ويطور الراهن.