جولة: د.عثمان عبده هاشمتصوير: يحيى الفيفي
حينما تستدعي الذاكرة الاماكن التاريخية في منطقة عسير تنهض على كتف الحاضر 30 منطقة اثرية بحاجة الى التعريف منها بلدة جرش الاثرية الواقعة على مسافة 15 كلم جنوب خميس مشيط حيث عثر فيها على بقايا مبان ضخمة من الحجارة واخرى من الطين ومعثورات يعود تاريخها الى فترة ما قبل الاسلام والفترات الاسلامية المتعاقبة حتى القرن الحادي عشر الميلادي، كما يمر بها طريق الحج القادم من بلاد اليمن، واشتهرت بصناعاتها الجلدية والحربية فعرفت بصناعة المنجنيق والعرادات وما كان يعرف باسم الدبابات، وكانت جرش ذائعة الصيت عند البعثة النبوية الشريفة بصفتها مركزاً تجارياً مهما، واسلم اهل جرش في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
تقع مدينة الجهوة الاثرية على حافة وادي النماص من جهة الجنوب وهي من اقدم المدن الاثرية في المنطقة، وما زالت بقايا اسسها القديمة وآثار سورها المنيع المبني بالحجارة ذات الحجم الكبير باقية حتى الآن رغم الزحف العمراني والزراعي، ومن الآثار الباقية في موقع المدينة بقايا الافران وخبث الحديد التي تشير الى ان سكان مدينة الجهوة القدماء مارسوا مهنة تعدين الحديد ايضاً.
مبان من الحجارة السوداء
ويقع وادي بعل الى الشمال الشرقي من تثليث بمسافة 30كلم، ويلاحظ في الموقع بقايا منطقة سكنية واسس لمبان عديدة متنوعة الاغراض ذات اشكال دائرية مربعة ومستطيلة مشيدة بالحجارة السوداء التي تزخر بها المنطقة وموقع (سربعل) غني بالملتقطات السطحية وهي عبارة عن كسر فخارية ذات لون احمر او لون بني، يوجد على البعض منها زخارف على شكل حزوز بسيطة، وكسي البعض الآخر بطلاء لونه اخضر او ازرق وتعود للفترة العباسية.
وستظل معرفة تاريخ هذه الاثار في حكم المجهول ما لم يتم اخضاعها للدراسة والتحليل كما سيظل تاريخ اقامتها امرا غير معروف وان كنت مع القائلين بانها تعود الى حقب زمنية مختلفة بالنظر الى تنوع اشكالها وطرق بنائها.
جرش تبع
وتعاقب على جرش عدد من الاحداث وتعددت الروايات وكثر المؤرخون الذين تحدثوا عنها ولكن اكثر من تناولها بالدراسة والتحليل واقربهم معرفة بها بحكم انتمائه الى المنطقة هو الاستاذ الدكتور غيثان بن علي جريس استاذ التاريخ في جامعة الملك خالد الذي يقول: ان تاريخ مخلاف جرش عسير خلال يعود إلى القرون الاسلامية الاولى.
ويشير د. بن جريس الى ان اصل التسمية لجرش ورد ذكرها في بعض المصادر التاريخية الاولى على ان تبعاً اسعد ابا كرب,خرج غازيا من اليمن غزوته الاولى وعندما وصل الى بلاد جرش بارض السراة راى موضعا قليل الاهل كثير الخيرات فخلف فيه نفرا من قومه فقالوا بما نعيش:-فقال اجترشوا من هذه الارض واثيروها واعمروها فسميت جرش وقد اورد ياقوت الحموي هذه القصة الا انه لم يتفق قوله مع هذه الرواية السالفة الذكر على ان تبعا اسعد ترك بعض قومه عندما راى كثرة الرخاء وقلة السكان , وانما بعض من قومه تحيروا وضعفوا عن اللحاق بالجيش فقال لهم ,اجرشوا هاهنا,اي البثوا فسميت جرش بذلك.
ويذكر البكري انها سميت بجرش بن اسلم لانه اول من سنها، ويتفق ياقوت الحموي مع البكري نقلا عن ابي المنذر هشام فيذكر ان جرش بن اسلم هو منبه بن اسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وال بن الغوث بن ايمن بن الهميسع بن حمير بن سبا، وهو اول من سكن جرش فسميت باسمه ويضع هذا القول بعض علماء النسب كابن حزم الاندلسي والوزير المغربي اللذين يؤكدان ان جرش احد ابناء اسلم بن زيد الحميري ويورد ياقوت الحموي رايا آخر نقلا عن ابي المنذر هشام بن الكلبي قوله: « جرش قبائل من افناء الناس تجرشوا وكان الذي جرشهم رجل من حمير يقال له زيد بن اسلم خرج بثور له عليه حمل شعير في يوم شديد الحر فشرد الثور فطلبه فاشتد تعبه فحلف لئن ظفر ليذبحنه ثم يجرش الشعير وليدعون على لحمه فادركه بذات القصص عند قلعة جرش وكل من اجابه واكل معه يومئذ كان جرشيا».
ولم يذهب ياقوت بعيدا عن الرأي الذي قاله البكري نقلا عن كتب النسب المبكرة ولكن في هذه الرواية لم يرد ذكر جرش وانما ورد باسم زيد بن اسلم بينما ورد في الراوية السابقة باسم منبه بن اسلم وبهذا لا يكون ثمة فرق بينهما لانه من المحتمل ان زيدا واسلم هما اسم لشخص واحد ثم بعد تمكنه من القبض على ثوره ووعدهم بجرش الشعير على لحم الثور صار يطلق عليه اسم جرش، ثم نسبت البلاد التي حصل بها جرش الشعير واكل لحم الثور الى اسم جرش.
جرش الشعيروالثور
وما يؤكد هذا الرأي ان معاجم اللغة تؤكد على كلمة (الجرش) التي تشير الى جرش الشيء بدقه فلا ينعم الدق وبالتالي يسمى جريشا ويقال: جرش الملح والحب جرشا اي لم ينعم طحنه ودقه وبهذا القول نرى ان زيدا او منبه بن اسلم جرش الشعير على لحم ثوره في منطقة جرش ولهذا السبب سميت المنطقة بهذا الاسم وربما كانت هذه الرواية اقرب الى الصحة من رواية تبع اسعد عن اولئك الذين تخلفوا عن مسايرة الجيش فقال لهم: اجرشوا هاهنا اي البثوا، حيث لم نجد عند اللغويين من قال ان الجرش هو المقام او المكوث في مكان فيه ماء ولكنهم قالوا: ان الجرش هو الصوت ويسمى الملح والحب – (بالجرش) لانه حك بعضه ببعض فصوت حتى سحق غير انه لا يكون ناعما.
وحسب الدراسات الحديثة التي حددت مركز جرش الى الجنوب من مدينة خميس مشيط بحوالي خمسة عشر كيلو مترا على الطريق البري الواصل بين مدينتي خميس مشيط ونجران فهذا امر يجعلنا نتوقف ممعني النظر في اقوال الادريسي وابن خرداذبة لان الطريق التجاري القادم من الاجزاء الشرقية لبلاد السراة تبعد محطاته بعشرات الاميال عن مركز جرش ثم ان المسافة بين محطة بيشة ومحطة سروم راح تبلغ حوالي مائة وتسعة عشر ميلا حسب ماجاء في كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني وبين كتنة وبيشة حوالى ثلاثة وثمانين ميلا، فليس من المعقول ان يكون البعد بين جرش والمحطتين ثمانية اميال فقط والمسافة في وقتنا الحاضر بين جرش وبيشة حوالي مائة وخمسة وثمانين ميلا ولهذا فمن المحتمل ان يكون الجغرافيون الاوائل قد ذكروا المسافة بين اطراف مخلاف جرش من جهة الشرق وبين تلك المحطات السالفة الذكر.
وبهذا تعتبر جرش وهي قاعدة المخلاف من اهم المراكز الحضارية الواقعة شمال نجران وجنوب مكة المكرمة وكان مركز هذا المخلاف هو المنطقة التي تشغلها المدينة العسكرية الآن في خميس مشيط وما يحيط بها ولكن اذا كان المركز في المنطقة المذكورة باعتبارها المقر السياسي والاداري لولاة الرسول صلى الله عليه وسلم ولولاة الخلفاء من بعده ففي ظننا ان امتداد ذلك المركز كان يشمل اجزاء مختلفة من الجهات المحيطة بل ربما امتد نفوذ واليه -والى جرش – الى نجران جنوبا وبيشة شمالا وشمال شرق والى تثليث وما حوله شرقا والى قمم جبال السراة المطلة على الاجزاء التهامية غربا ولو لم يكن مركز جرش قويا وذا نفوذ واسع لما حظي بواسع الذكر في المصادر الاساسية وبالتالي طغى الجزء على الكل من منطلق اداري وسياسي.
طين الحضارة مهجور
من يشاهد جرش حاليا لا يتوقع انها ما سبق ان تناولته كتب التاريخ وتحدث عنه المؤرخون باسهاب فجرش الاثرية والجديدة التابعة لمحافظة احد رفيدة تختلف كثيرا عما ورد على لسان المؤرخين اما سكانها الحاليون فلا يعرفون عن جرش الا بعض ما سمعوه عنها كما يقول احد ابناء هذه القرية الاثرية سعيد عبدالله سعيد هذلول القحطاني حيث سمع بتاريخ هذه المدينة الاثرية وماجرى بها من حروب وغزوات على حد قوله ولا يعرف تاريخا دقيقا لهذه المدينه التي تحولت الى مدينة حضارية تتوفر فيها كل الخدمات من مياه وسفلته وانارة ومستوصفات صحية وكل الخدمات والمرافق الخدمية وهجرت البيوت القديمة من الطين فهي غير مسكونة حاليا بل تركها البعض آثاراً وذكرى والبعض الاخر أنشأ له منزلا حديثا بجانبها وترك منزل الاباء والاجداد للذكرى فقط.
ويصف عبدالرحمن عبدالله ابو شعطط من اهالي جرش الاثار الموجودة في جرش بانها آثار قديمه من تاريخ القرون الاولى مشيرا الى انه لا يلم بتاريخ هذا الموقع الا الاجداد فكان يسمع من جده عن حروب دامية وقعت في هذه المدينه وفيها مئات القتلى من جرائها.
ويضيف انه من خلال ملاحظاته اثناء اقامته في قريته واثناء اعمال السفلتة للحي كانوا يجدون اثار قبور قديمة في كل مكان من القرية رغم ان الاثار قد سورت العديد من المساحات بغية الحفاظ على ما تبقى من هذه الاثار القديمة والتاريخية.
ويمكن القول ان القادم الى جرش الاثرية لايكاد يعلم ان هذه المدينة التاريخية القديمة التي يحكي عنها التاريخ اصبحت حضارية وعصرية كما هي عليه الآن ولا يميزها سوى جبل حموم الذي يشاهد عن بعد لعلوه الشاهق ولونه الاسود.
ويدعو سالم بن يحي القحطاني احد سكان جرش الى استغلال هذه الآثارمن قبل الهيئة العامة للسياحة وكذلك من هيئة الاثار وذلك لفتح المجال لها لاستقطاب السياح العرب والاجانب والمهتمين بمثل هذه الاثار التي للآسف لا نعلم اهميتها او قيمتها التاريخية الا من الروايات والقصص العجيبة حول المعارك والغزوات التي حصلت في جرش الاثرية.
ولو نظمت هذه المدينة بشكل افضل ووسعت الشوارع المؤدية الى موقع الاثار ومهدت واعتني بها جيدا وخدمت اعلانيا ونظم فيها مهرجانات سنوية ونظمت لها رحلات صيفية سياحية لكان لها شأن آخر.
ولايختلف اثنان ان مدينة جرش قد تطورت في كل المجالات العمرانية الصحية والبلدية والتعليمية وكافة المرافق الخدمية التي يحتاجها المواطن.
اما مدينة جرش القديمة فشوارعها ضيقة وطرازها المعماري وبيتوها المبنية من الطين والاحجار القديمة.
وعندما نعود بتاريخ منطقة عسير الى ما قبل القرن العاشر الهجري نجد ان المصادر التي تحدثت عن شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام، وكذلك المصادر التي تناولت تاريخ اليمن والحجاز خلال القرون الاسلامية المبكرة والوسيطة، تكاد تكون خالية من تسجيل الاحداث التي دارت في بلاد عسير، بل انها لا تذكر منطقه معلومة باسم عسير، و انما بعضها اذا اشار الى اي جزء جنوب مكة المكرمة فقد يطلق عليه اسم بلاد اليمن،  واحيانا يرد اسم بلاد السراة، نسبة الى جبال السروات او بلاد تهامة ومن هذه المصطلحات الفضفاضة لا نكاد نخرج بفائدة توضح لنا تاريخ عسير في العصور الاسلامية المبكرة والوسيطة ولكن كل المصادر اجمعت على ان المنطقة الحالية هي ما كان يطلق عليه مخلاف جرش.
تحدي الاحتلال
واول ما وصلنا عن جرش واهلها في عصر الاسلام،هو قصة اسلامهم، حيث تذكر بعض كتب السير والتاريخ الاسلامي، قصة قدوم صرد بن عبدالله الازدي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في السنة العاشرة للهجرة، ثم دخوله مع بعض قومه في الاسلام، وتلبيتهم امر رسول الله عندما امرهم بالعودة الى ديار جرش لمحاربة من كان على غير دين الاسلام فنجحوا في جهاد المشركين ونشروا الاسلام في اوطانهم، وبالتالي امر الرسول صرد بن عبدالله الازدي على اهل جرش ومن حولهم وحمى لهم حمى ديارهم وصاروا ضمن دولة الاسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
واستمر اهل جرش يدافعون عن راية الاسلام في عهد الرسول، ثم في خلافة الخليفة الراشد الاول ابي بكر الصديق (11 هـ /632 م ـ 13 هـ /634 م) فحاربوا مع جيوش المسلمين من ارتد من المرتدين في عهده، وسعوا الى توطيد رقعة الاسلام في الاوطان،  ثم استمروا على هذا النهج في عهد الخلفاء الراشدين الاوائل (40 هـ / 660 م)،  وكانوا ممن اشترك في حرب الفتوحات و المغازي، فكانوا ممن شارك في فتح العراق (فولى سعد قاصدا العراق في اربعة آلاف مجاهد):
لقد كان سكان عسير يديرون شؤون بلادهم بأنفسهم، ويعلنون الطاعة لصاحب النفوذ الكبير مفضلين عدم القتال وعدم الخوض في دماء المسلمين، ولكن اذا داهمهم عدو او حاول غزوهم خصم وقفوا في وجهه واستفادوا من مناعة بلادهم ووعورة ارضهم  في حربه ورده خاسرا.
وفي الثلث الاول من القرن الثالث عشر الهجري وفي حدود عام (1226هـ / 1811م) ابتليت شبه الجزيرة العربية بغزو قوات محمد علي باشا  حاكم مصر. ولكن سكان البلاد قاوموا ذلك بكل ما اوتوا من قوة،وظلت عسير الامارة العربية الوحيدة الرافضة والمتحدية لسيطرة محمد علي باشا على اراضيها ودخلت معه في حروب طويلة للحفاظ على حريتها توجت تلك الحروب بإجبار محمد علي باشا على توقيع وثيقة باستقلال عسير استقلالا تاما وبموجب حدود ثابتة وتم توقيع تلك الاتفاقية في مدينة ابها في اليوم السادس والعشرين من شهر سبتمبر عام 1834م . ثم عاد الحكم العثماني في عسير عام (1289 هـ / 1872م) واصطدم بعقبة عسير الكئود والتي اعلنت وبشدة رفض اي نفوذ عثماني على اراضيها فعليا او اسميا و اعلن زعماؤها بانهم لن يضحوا باستقلال دفعوا ثمنه ثلاثين سنة من النضال وآلاف الشهداء و ان لا فرق لديهم بين حكم محمد على في مصر او مدعي الخلافة في اسطنبول. فاضطرت السلطات العثمانية الى تدارك خطورة المواجهة مع العسيريين والى مهادنة تلك الامارة فتكونت بينهم وبين قادتها علاقة خاصة تتسم بالصفاء احيانا وبالتوتر احيانا وبالمواجهة في بعض الاحيان.
ثم قيض الله لهذه البلاد  من يلم شتاتها و يوحد امصارها موحد  الجزيرة العربية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله حيث انضمت عسير اليها عام 1338هـ.