د. كامل فرحان صالح
سعى الشعر الحديث، الذي يمكن تحديد بداياته في أربعينيات القرن العشرين، إلى خرق النظام الشعري المتوارث، ولعل عدم الدخول في من بدأ بهذا «الخرق» هو تأكيدٌ لبحث في أهمية الحدث لا أهمية «المحدث»، بمعنى، إذا تم إحالة التجديد الشعري إلى بدر شاكر السياب أو نازك الملائكة، فهما معًا كانا حصيلة تأثيرات ثقافية عامة دفعتهما إلى ولوج هذا الباب الشعري الجديد. ولعل كلام يوسف الخال في هذا الإطار يؤكد هذا الاتجاه، وذلك عندما يقرّ في كتابه بتأثير دراسة الشعر الإنكليزي في نشوء حركة الشعر الحر في العالم العربي، وذلك عندما يسأل: هل اكتشفته نازك الملائكة أم اكتشفه بدر شاكر السياب؟ وإذ يستبعد الخال حلاً لمعرفة المكتشف الأول، يطرح المسألة من ناحية أخرى، فيقول: أم لا هذا ولا ذاك؟ بل وقوع كلا الشاعرين الناشئين معًا، في طليعة من وقعوا من شعراء جيلهما الناشئ تحت تأثير دراسة الشعر الإنكليزي المعاصر في كلية الآداب ببغداد من جهة، وقراءة الترجمات التي أخذت تنتشر لشعراء شيوعيين كناظم حكمت ونيرودا ولوركا أو لشعراء معاصرين آخرين كـ . ت.س. إليوت، وعزرا باوند وأدث ستويل؟. وتقول الناقدة خالدة سعيد في هذا الموضوع: «قيل كلام كثير حول التجديد في العروض، ونسبة هذا التجديد إلى نازك الملائكة أو بدر السياب. كما أن الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي تقصت في أطروحتها حول التيارات والحركات في الشعر العربي المعاصر (جامعة لندن)، بوادر هذا التجديد العروضي عند كثيرين قبل السياب والملائكة». وتخلص سعيد للقول: «في رأيي أن أهمية هذا التجديد تكمن خاصة، وفي الدرجة الأولى، في كونه وجهًا من وجوه التململ العربي، فإذا «جدد شاعر ما عروضيًّا و«حافظ»، على صعيد النظر والحساسية، بات تجديده مزيفًا ولا معنى له.
ولعل كلام السياب نفسه يندرج ضمن هذا السياق، إذ أدرك أن إلحاحه على تقرير الأسبقية لابتكار هذا الشكل لا يحفل بمجد كثير إذ تقرير «الأوائل» من الأمور العسيرة، لذا يقول: «ومهما يكن فإن كوني أنا أو نازك أو [علي أحمد] باكثير [شاعر يمني] أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم؛ وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له – إن لم يجود – أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية». وعن الشعر الحر يقول: «إن الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، إنه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العالية وجمود الكلاسيكية، كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به». لذا، فالأهمية تكمن في حيثيات هذه الخطوة، بعيدًا عن الدخول فيمن قام بها أولاً، ولعل ما يؤكد هذا أن الفرق الزمني بين خطوة الاثنين لا يتخطى الشهر كحد أقصى.
ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة أتت نتيجة تضافر عوامل مختلفة، لعل من أهمها تململ الشعراء سأمًا من الشكل القديم، ومواصلة الوقوف على ثقافة الغرب، والتعمق في آداب كتّابه وشعرائه ومثقفيه، التي بدأها في بدايات القرن الشاعر خليل مطران الذي عدّ من أوائل دعاة التجديد في الشعر العربي الحديث، وقد اطلع على الشعر الفرنسي، وعلى المدرسة الرومانسية الإنكليزية ، غير أن دعوته اتسمت بالحفاظ على الخصوصية والهوية العربيتين، وهذا ما يتضح من مقالته «التجديد في الشعر»، حيث يقول: «أنْ يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف أنواع رقيّه.. وأن يتغير شعرنا مثلما تغير كل شيء في الدنيا مع بقائه شرقيًّا ومع بقائه عربيًّا»
اذن، لعل السبب في تبني الشعراء العرب للشكل الشعري الجديد، يعود لعوامل عدة، منها ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية، حيث لمسوا أن هذا الشعر، الذي لم يكن في معظمه موزونًا أو مقفى، بقي محافظًا على أصالته وشعريته ومعانيه وصوره. كذلك وجدوا في هذا الشكل الشعري وسيلة جديدة، بين النثر والشعر، ذات عنصر درامي، ولهذا انتقلت بعض خواص النثر إليه. يمكن إلى ذلك، إضافة عامل سياسي اجتماعي، تمثل بأن اتجاهات الرومانسية والرمزية في الشعر قد واكبت عملية تأسيس كيانات سايكس بيكو، فكان الابتعاد عن العمودية الشعرية العربية يتعمق بمقدار ما أخذ يتعمق الشعور الوطني عند كل كيان من كيانات العرب.