د. محمد بن صالح الدربي*
يورد لنا التاريخ العربي الكثير من مناهج ونظريات النغم واعدادها ومواقعها على اوتار الة العود العربي ذي الاربع اوتار ومن ثم ذي الخمس أوتار. كان العرب يطلقون على اوتار العود اسماء خاصة فالوتر الاول الغليظ سموه (البمّ) ويقابله الآن وتر العشيران والثاني (المثلث) ويقابله وتر الدوكاه والثالث (المثنى) ويقابله وتر النوى والرابع (الزير) ويقابله وتر الكردان والخامس الحاد او الزير الثاني ويقابله وتر الجهاركاه (الشراره محليا). فعلى سبيل المثال عدد النغم على طريقة الفنان البارع اسحاق الموصلي المتوفى في بغداد ( عام 235 هـ ) عشرة تبدأ من نغمة "العماد" وهي مطلق وتر المثنى ( النوى- لا- السي بيمول – والسي طبيعي – الدو – الرى – مي بيمول – مي طبيعي – فا – فا دييز) ويقصد بلفظ بيمول هو تخفيض تردد موجة النغمة بمقدار النصف ولفظ دييز زيادة تردد موجة النغمة بمقدار النصف.
السلم الموسيقي عند الفيلسوف الكندي
الكندي هو ولد أمير الكوفة والذي ينتمي الى البيوتات العربية الرفيعة العالم والفيلسوف ابو يوسف يعقوب ابن اسحاق توفى (عام 884 م) ومن اوائل الذين قدموا دراسات متميزة عن الانغام وطبيعة الاصوات الموسيقية وعلم التأليف. والجميل أنه حدد مواقع النغمات على اوتار العود بنسبها العددية وبواسطة دساتين (مواقع) الاصابع (السبابة- الوسطى – الخنصر – البنصر) على الاوتار. وفي ذلك العصر يطلق على النغمات احرفا ابجدية من حروف الجّمل (ابجد – هوز – حطي ...) والسلم الموسيقي عنده مكون من سبعة نغمات اساسية والديوان لديه مكون من اثنتى عشرة نغمة والمسافة بين كل نغمة والاخرى نصف بعد. واطلق عليها (أ- ب – ج – د - هـ - و- ز- ح – ط – ي - ك - ل) ويقابلها بالمفردات الموسيقية الحالية اذا اعتبرنا مطلق صوت وتر البم (لا): (لا- سي بيمول – سي – دو - دو# - ري – مي بيمول – مي – فا – فا# - صول – لا بيمول) ويلاحظ ان الابعاد بين النغمات اما بعدا كاملا او نصف بعد ولا يوجد في سلم الكندي هذا مسافة الربع تون. وهذا السلم في ابعاده شبيه بسلم فيثاغورس الذي شرحناه في المقالة السابقة. وقد بين العالم الكندي مواضع النغمات على الة العود وان عددها 25 موضعا (ديوانيين) لكن المستخدم منها, حسب رأيه, عشرون نغمة فقط والغير مستخدم عددها خمس نغمات هي (سي بيمول – مي بيمول – لا بيمول – دو دييز – فا#). ودوزان اوتار العود عند الكندي كالتالي (لا – ري – صول – دو – ثم الوتر الخامس النظري يدوزن على نغمة – فا).
السلم الموسيقي عند الفيلسوف الفارابي
وهنا نحن امام عالم كبير آخر ملم بعلم وصناعة الموسيقى وهو محمد بن محمد بن طرخان الفارابي المتوفى سنة (339 م). يجد الباحث في "كتاب الموسيقى الكبير" للفارابي زخما من المعلومات المبنية على الأسس الرياضية والتحليل المرتكز على المنطق وقد استنبط وابتكر في الموسيقى الكثير ساعده في ذلك تمكنه في العزف على آلة القانون والعود. أما مكونات السلم الموسيقي عند الفارابي فمختلفة عن سلم الكندي والسمة الشرقية في السلم عند الفارابي جلية. لنلقي نظرة على سلم الفارابي. يتكون السلم عنده من سبع نغمات اساسية والديوان الموسع لدية مكون من 23 نغمة والاخيرة الجواب وبينهم 22 مسافة مختلفة القيمة. ويسعدني ان انشر نتيجة الحسابات التي اجريتها على نغمات الديوان الموقعة على دساتين العود زمن الفارابي في الجدول رقم (1) والذي بينت فيه لاول مرة كل موجة نغمة بقيمة ترددها (ذبذبة في الثانية او هرتز) وطول الموجة بالسنتميتر والزمن الذي تستغرقه الموجة بوحدة الملي ثانية. وبذلك نستطيع سماع النغمة الشرقية القديمة بترددها وخواصها بلغة تقنية معاصرة من ألة موسيقية قادرة استنطاقها وبلغة علمية بسيطة بعيدة عن المصطلحات والمسميات واللغة الصعبة التي كتبت بها المصنفات الموسيقية التاريخية مع تقديرنا العظيم لها ولكن لا يستدرك مكنونها الا المختص وبصعوبة. ولا يفوتنا الاشادة بالمجهود الكبير الذي قدمه المحققون والشراح لكتب ورسائل العلماء والفلاسفة السابقين من هؤلاء الدكتور يوسف شوقي والاستاذ غطاس عبد الملك خشبة والعالم المستشرق الدكتور هنري فارمر وغيرهم. سيتبع في المقال القادم السلم الموسيقي العربي الحديث والاشكاليات حول قبوله.

* باحث أكاديمي
Dr_msd@hotmail.com