لقد انطلق أطفالنا أكبادنا الذين يمشون على الأرض.. في عفوية بالغة وفي براءة لا يحدها حاجز أو أسلاك شائكة.. انطلقوا يعبرون عن مشاعرهم من خلال سيادة اللونين الأبيض والأخضر وسلمان في وسط الدائرة.. إنها مشاعر غضة انطلقت تعبر في صدق وإخلاص عن حالة من الانتمائية الغضة لهذا البلد.. منطلقة في ذلك من خلال قدرات ناشئة تعبر من غير إملاء ولا توجيه بل هي عفوية على سجيتها.. وقد تبارت هذه القدرات الصغيرة للتعبير عن فرحتها بهذا اليوم التاريخي الخالد.. وسكبت بالألوان الأبيض والأخضر بوحا تجلت فيه معاني شتى لم يحدها إطار أو لغة أو رسميات وقد فرضوا سيادتهم على الوسائط الاجتماعية.. وكانت الجوالات ومحاورها هي المساحة الشاسعة التي انطلقت منها لغتهم نحو الوطن ونحو المواطنين وسكبت أمانيهم.. هذا أمر جعلنا نحن معشر الكبار نرقب هذه التصرفات في إعجاب.
يقول الفيلسوف روبرت بي ملرت: إن حيواتنا هي مجرد خيوط سينسج المستقبل من خلالها.. وبالتالي فإن ما أفعله أنا وتفعله أنت اليوم سيستمر بعدنا في أطفالنا وفي أطفال أولئك الذين نرتبط معهم برابطة الإنسانية.
ولعل من خلال هذه المقدمة تتضح معالم الصورة العفوية لهؤلاء الصغار الذين سيشتغلون بكل ثقة واعتزاز ويحتلون أماكننا في الغد القريب.. يقيني أن هذه المسؤولية ليست سهلة فإننا جيل صناع القرار اليوم سنورث هذا للأجيال القادمة.. وسينظرون إلينا بأننا أسلافهم وإصدار الحكم لنا أو علينا من خلال ما سنورثه لهم من إنجازات.. بمعنى أننا إما سنكون محل الثناء والشكر من الأجيال القادمة.. أو العكس ويذكرنا التاريخ بأننا الجيل الذي خان أمانة الله وأمانة هذا الوطن.
واليوم هناك قلق عالمي متنام حول هذه الأجيال القادمة، ولهذا فقد أصدر مؤتمر اليونسكو الذي عقد في باريس في العام 1997 إعلانا عالميا عن مسؤولية الأجيال الحالية تجاه الأجيال المستقبلية.. وقد ذكر ذلك الإعلان «أن على الأجيال الحالية مسؤولية تأمين احتياجات واهتمامات الأجيال الحالية والمستقبلية معا وضمان ذلك بالكامل».
وإذا ما راقبنا الله وعرضنا أعمالنا على تعاليم ديننا ونهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإننا لسنا بحاجة إلى الإعلانات والتقارير للمنظمات الأممية لنحافظ على أماناتنا.
ففي تعاليم ديننا ما يكفل ويضمن حقوق الأجيال إذا ما ساد الإيثار (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) صدق الله العظيم.. والحقيقة التي لا مراء فيها أن أطفال اليوم سيكونون آباء الغد ومن هذه الشريحة سيكون مستقبل بلادنا القادم.. وبالتالي نسلم الأمانة والمسؤولية لهم وليجدوا فينا وفي تصرفاتنا خير مثال على صيانة المكاسب والحقوق واستشراف الأمانة ورعايتها حتى يجد أطفال الغد نصيبهم غير منقوص.
الوطن في عيون صغارنا:
عندما ننظر إلى عيون أطفالنا اليوم نشاهد وطنا ينمو ويكبر.. نشاهد وطنا غاليا بكل عظمته وتاريخه وإنجازات أبنائه الشرفاء المخلصين.. كشف أطفالنا في عفوية بريئة عن إحساس يفيض إشراقا وانتماء وحب يتجذر في الأعماق لهذا الوطن.. كان يوم الجمعة الماضي ميدانا انطلقت فيه عفوية هؤلاء ورسموا أبعادا عريضة وغنية بالإشارات وبالإيماءات التي لا ينقصها الوضوح ولا الشفافية.. الأمر الذي ميز يومنا الوطني هذا بنكهة وبسمات لم تكن في أعوامنا الماضية.. وهي إرهاصات لها دلالاتها الإيجابية.
عاش الوطن وعاش قائد نهضتنا.. وكل عام والوطن وكل مواطن بخير وعافية. وحسبي الله ونعم الوكيل.