في كل عصر هناك أمور تحبب العصر لأهله، ومن تلك الأمور في عصرنا، تحول كل ظاهرة مهما بدت من المسلمات إلى علم تجريبي خاضع للدراسة والتجربة، ليتم في ما بعد إدخال تطبيقات نتائج تلك الأبحاث التجريبية في نسيج المجتمع والدولة الحديثة لتحقيق المزيد من الامتياز والكفاءة.
وفي مجال حيوي كالقضاء بات القانون أو التشريع جزءاً من منظومة كبيرة من العلوم التي تخدم تطوير كفاءة الأداء فيه، ومنها علم الاجتماع النفسي، ومن النظريات الهامة في هذا المجال التي أعادت صياغة آلية تعامل النظام القضائي الغربي مع الضحايا تحديدا، نظرية (العالم المنصف–Just world theory) تقول النظرية إن الناس وبشكل فطري واع وغير واع لديها اعتقاد بأن هذا العالم منصف بشكل مثالي، وإن كل ما يحدث للإنسان يستحقه، وهذا يولد نزعة تلقائية واعية وغير واعية للوم الضحية، مما يؤثر على عدالة الحكم بالحق لصالحها، وفي دراسة للدكتور«زيك روبين» من جامعة هارفرد 1975 بعنوان (من يؤمن بالعالم المنصف) قام بمسح لصفات الذين تؤثر هذه النظرة على حكمهم، فوجد أنهم أشخاص«متدينون ومحافظون ويتميزون بالتسلط والميل لتقدير رجال السياسة والمؤسسات الاجتماعية القائمة، والميل للسلوك السلبي تجاه الفئات الضعيفة، والميل للشعور بعدم التعاطف مع الضحايا والشعور بعدم الحاجة للمشاركة في نصرتهم»وهذه مفارقة مدهشة، فصفة التدين والإيمان بقيمة العدالة يفترض أن تولد لدى الأشخاص ميلا لأخذ جانب الضحايا والمستضعفين.
لكن كما قال العلماء المسلمون قديما هذا فخ الاغترار بالنعمة الذي يقع فيه الكثيرون وقد لا ينتبهون لتبعات حالهم هذا على عدالة حكمهم في غياب محيط نقدي، ولهذا وجب أن تكون هناك محددات قياسية صارمة للحكم القضائي، فطور الغرب قوانين تحمي الضحية من أن تصبح ضحية مرة ثانية في المحكمة كما في قضايا الاغتصاب، حيث شرع في أمريكا قانون «درع الضحية» الذي يحمي ضحية الاغتصاب من تحول المحاكمة من محاكمة للمجرم المعتدي إلى محاكمة لشخصية الضحية.
أما بالنسبة لواقع القضاء، فبمراجعة القضايا التي أحدثت ضجة مؤخرا، والملاحظات والشكاوى المتكررة التي يبديها من يمر بالنظام القضائي، نلاحظ أن المشكلة التي يمثلها منظور «العالم المنصف» حاضرة بوضوح، فنرى للأسف أن لوم الضحية بل وتحويلها إلى متهم ثان أمر شائع، يثير مخاوف الكثيرين من اللجوء للنظام القضائي، خاصة النساء.
وكما حدث مؤخرا في إحدى أشهر القضايا، تحولت الضحية ليس إلى متهم فقط بل وتمت معاقبتها عقابا يكاد يساوي عقوبة المعتدي.
وإسلاميا نعرف أنه لا توجد مثالية مطلقة في الدنيا (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) وأن لله يوما ستكون فيه العدالة مثالية، أما الدنيا فقاعة امتحان لسلوك الناس تجاه الضحايا، والنزعة التي ترصدها نظرية «العالم المنصف» التي تؤدي للوم الضحية، هي نزعة غرائزية تمثل رغبة الإنسان اللاواعية للشعور بالأمان باعتقاده أن هناك عدالة دنيوية مثالية تجعله في أمان من التعرض لما تعرض له الضحايا، حيث الأمور السيئة تحدث للناس السيئين، وهو يصنف نفسه على أنه من الطيبين.
bushra_sbe@yahoo.com