كنت قد انتهيت للتو من قراءة رواية للمؤلف ((مارتن فالترز)) تحكي هذه الرواية قصة الحب الذي وقع فيه الشاعر والمفكر ((جوتة)) بعد أن وصل سنه إلى الثالثة والسبعين ربط هذا الحب بينه وبين امرأة شابة تدعى ((اولريكه)) فتاة يافعة من أسرة أرستقراطية لم يتجاوز عمرها تسع عشرة سنة فكان فارق السن بينهما أربعة وخمسين عاما، اسم الرواية ((رجل عاشق)) كتبها المؤلف بعد أن أصبح سنه واحدا وثمانين سنة فسمح له التقارب العمري بينه وبين ((جوتة)) بأن يستكشف الحالة التي عانى منها رجل أصبح مثله في مرحلة الشيخوخة بأن يعبر عن أعراضها الجسدية والنفسية بأسلوب مقنع وبأن يتناول مسألة مرور الزمن وأثره على الشاعر العجوز بأسلوب مؤلم وأحيانا ساخر وبمهارة فنية جاءته من تجربة طويلة في الكتابة سمح له هذا في الوقت نفسه بأن يطرح تساؤلات متعلقة بالحب والشيخوخة والموت وبالعلاقة بين الكتابة والحياة كان الشاعر ((جوتة)) رجلا يحيا في الكلمات .. في الخيال .. يتوهم أنه بعواطفه المتدفقة يستطيع أن يتغاضى عن حقيقة جسده المقترب من الفناء .. عن خطواته المترنحة وقدرته العاجزة .. عن العلل التي تصيبه .. عن عدم استطاعته الاستجابة لتوقعات الجسم الأنثوي الشاب الفائر بالحياة..
عشت مع هذا الكتاب أياما جعلتني أفكر في رفيقي الذي طلق زوجته الستينية وهو في السبعين وتزوج بفتاة في عمر ابنته.. شعرت بالظلم الذي وقع على زوجته الأولى حيث ترك لها في هذا العمر الخيبة ومسالك الخوف وطعم الأحزان .. أحرقها حولها إلى رماد، وكذلك العبء النفسي والجسدي الذي ستتحمله تلك الصبية العشرينية مع رجل يقترب من نهاية الحياة .. حين أتاني الخبر حزينا كنت .. ملابسات الأسئلة أمامي انتصبت .. لنسم الفجر باسمه ياقوم .. أنا رجل ستيني .. أخاطبكم بشيء يقطن بين تلافيف رأسي اسمه العقل .. أحدثكم والبحر أصبح في كفي .. أتحدث كحد السيف المشحوذ تحت نار شمس الصيف بصدق .. أصبحت أمارس الصدق علانية في هذه المرحلة من حياتي لا تحديا ولكن لعل الشراع يفيق .. في هذه المرحلة من عمري رغم أنني أعتقد أنني على ما يرام .. إلا أنني أحيانا أرفع يدي فأحس بوخز الألم في فقرات ظهري .. زحفت الخشونة على عظامي مما يجبرني إلى الانحناء أثناء السير أحيانا .. أتمنى أن أعدو.. لكن كل حركة أقوم بها تتطلب جهدا مضاعفا وتسبب لي أحيانا آلاما في الساقين وفي الظهر .. أن أقوم من السرير في الصباح أو في جلستي على المكتب .. أن أميل لالتقط شيئا وقع مني على الأرض .. أن أرتدي جواربي.. حذائي .. ثقل السنين زحف علي بالتدرج .. يدق أحيانا قلبي بعنف أو تصعد الدماء إلى رأسي وتكتسحه مثل الموجة العالية في بحر ساكن يعود إلى سكونه ضربات قلبي تبطئ أو تسرع أو تقفز أو تتوقف لجزء من الثانية قبل أن تستأنف إيقاعها العادي .. تعودت على كل هذه الظواهر الفيسيولوجية وعلى أسلوب التعامل معها حتى أعود واستأنف ما كنت أفعله .. قبلت بكل ذلك.. لدي أمراض مرحلة الستين الضغط والسكر وأشياء أخرى عديدة .. قصة لا تهمني كثيرا فعندما يأتي الموت سأضحك منه وأغمض عيني وأداريه حتى ينسحب نحو غيري .. لست في حالة أستطيع فيها أن أصف نفسي بأكثر من هذا .. أعرف كيف أسري عن نفسي .. أذهب إلى دور العبادة .. أعمل .. أسافر .. أشاهد أفلاما ومسرحيات .. أقرأ .. أستمع إلى المقطوعات الموسيقية الرصينة التي فيها بيانو وعود .. نوع من التصالح مع الحياة والزمن .. لكن أن أغامر بالزواج من امرأه شابة تصغرني بأربعين أو خمسين عاماً فهذا يشبه ما تطلبه مني الدكتورة ((لينا بيسار)) في المستشفى التخصصي بجدة عندما تفحصني أن أرفع كامل جسمي وأقف على أصابع قدمي وأمشي أمامها وأكرر الحركة وهي تنظر إلى نظرة مشاكسة وتقول لي بلكنتها الشامية كمان مرة!!