يقول الخبر الذي استقيته من موقع أرقام الاقتصادي على شبكة المعلومات العالمية إن «الجمعية التعاونية للثروة الحيوانية بمنطقة الرياض بدأت في تشغيل الأسواق الاستهلاكية للحوم في أحياء اليرموك والسويدي والشفاء بأسعار تقل عن الأسعار الموجودة في السوق بنسبة 30%».
نعم.. نعم .. خبر مثل هذا يجب ألا يمر مرور الكرام فهو وإن كان جديدا لا يعدو في حقيقته استعادة لتاريخ حافل من الجهد التعاوني الذي كان يميز مجتمعنا في الزمن الغابر الجميل. زمن ما قبل الطفرة حينما كانت للعسكريين جمعية استهلاكية تعاونية ولموظفي الدولة جمعية استهلاكية تعاونية ولطلاب المدارس (مقاصف) تعاونية وللقرى وللعائلات الكبيرة والأحياء جمعيات استهلاكية تعاونية، تعمل على توفير الاحتياجات الضرورية للأفراد والعائلات المشتركين فيها وغير المشتركين. ولقد استبشرنا خيرا قبل عدة سنوات حينما قام وزير التجارة الحالي بزيارة للكويت للتعرف عن كثب على آلية عمل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي ما زالت قائمة في الكويت، ولكن يبدو أن تلك الزيارة لم تكلل بالنجاح لأن الوزير لم يدل بأي تصريح بعد إتمامها، بل إن صمتا مطبقا خيم طويلا على فضاء هذا النشاط وما كان له أن يكسر لولا إعلان المدير الإداري لجمعية «الثروة الحيوانية» التعاونية الأستاذ مخلد المطيري ببدء نشاطها مبدئيا في ثلاثة أحياء في الرياض.
والحقيقة أن الجمعيات الاستهلاكية التعاونية منتشرة في أوروبا وأمريكا والعديد العديد من دول العالم المتحضر وهي ليست مرتبطة بفقر أو غنى أو تخلف أو تقدم. بل هي مرتبطة إلى حد كبير بعوامل أخرى اجتماعية وبيئية أكثر مما هي اقتصادية. صحيح أن العوامل الاقتصادية كتخفيض مستويات الأسعار في المواد الضرورية مهمة، ومثلها إمكانية تحقيق المستهلكين لأرباح وإن كانت رمزية من استهلاك منتجات جمعيتهم أو تدويرها لتحسين مستوى الأداء، إلا أن من أهم أهدافها الاجتماعية توفير ضرورات الحياة خاصة في الغذاء والدواء والكساء للجميع بجهد تعاوني لا يميز بين فقير وغني بل إنه يستوعب الفقير ويمكنه من الحصول على الضروريات بمساندة خفية من جيرانه وسكان حيه أو قريته من غير منّ أو أذى. أيضا، تعويد الناس على التعاون والعمل التطوعي كقيم والإحساس بالجوار وبالآخرين اجتماعيا مسألة على قدر كبير من الأهمية تنعكس تباعا على مختلف شؤون الحياة، ويمكن حينها أن نرى موظفين متعاونين في مقر العمل وطلابا متعاونين في المدرسة ومجتمعا متعاونا في كل شؤونه.
أما من الناحية البيئية فالجمعيات الاستهلاكية التعاونية تضيق دائرة البصمة الحيوية للفرد والمجتمع على الموارد الطبيعية وتعود الصغار قبل الكبار على التعامل مع البيئة ومنتجاتها بحرص وتوازن وتحفظ محمود لا تبذير فيه ولا هدر ولا إساءة.
ولا بد من التأكيد على أن الجمعيات الاستهلاكية التعاونية التي ننشدها ليست منافسة ولا بديلة لمحلات البقالة والمواد الاستهلاكية التجارية كما هو الحال في الكويت. فالجمعيات التي ننشدها تقتصر في مبيعاتها على الضروريات والأصناف التي يرغب التجار في بيعها بأسعار مخفضة. والجمعيات تشتري من التجار بأسعار تقل عن سعر السوق في الأصناف التي تتاجر بها مثلما يشتري الموزعون في سوق السيارات مثلا لتتمكن من تحقيق هامش ربحي أو حتى إداري يمكنها من الاستمرار لأنها ليست جمعيات ربحية أصلا.
والجمعيات الاستهلاكية التعاونية تعتبر مخرجا للأحياء من محلات البقالة والمستودعات الغذائية التي تديرها عمالة متستر عليها لا تلتزم بتواريخ صلاحية أو نظافة أو اشتراطات تخزين صحية سليمة.
والجمعيات الاستهلاكية يمكن أن تكون من أفضل منافذ خدمة المجتمع للتجار بتزويدها بالأصناف الضرورية المخفضة أو تحمل تكلفة نقل البضائع لها أو حتى تزويدها بمواد مختلفة للبيع بأسعار مخفضة جدا تعوض الجمعية بها ما تقدمه مجانا للمحتاجين المسجلين لديها من غير أن يعلموا من قدمها. ولا أملك في الختام الا أن أوجه الشكر لمجلس إدارة الجمعية التعاونية للثروة الحيوانية في الرياض ولمديرها ولكل من يساندونها، وآمل أن أرى الجمعيات الاستهلاكية التعاونية تعود للانتشار من جديد في كافة أرجاء المملكة لتغطي الضروريات التي تتصاعد أسعارها بشكل كبير وأصبح توفيرها للعائلة متوسطة الدخل يتزايد صعوبة يوما بعد يوم خاصة مع الاستمرار في الرفع التدريجي للإعانات الحكومية عن العديد من المواد الاستهلاكية الضرورية التي انعكست على الدخل المتاح للأفراد والعائلات بانخفاض حقيقي بدأت تظهر آثاره على فئات كثيرة من المواطنين.