تشهد صحافتنا منذ وقت طويل لدى العديد من الأطراف وبمستويات متعددة من مفكرين وكتاب وتربويين وأكاديميين إثارة أزمة متعلقة بفشل الأنظمة التعليمية، حيث إنها عاجزة عن تخريج أجيال يتمتعون بصفات التفكير الانتقادي والإبداعي والتحليلي فهي بذلك لا تعمل على إيجاد أجيال مبدعة ومستقلة وقادرة على حل مشكلاتها بموضوعية وبأساليب علمية متطورة وتجمع كل الأنظمة التعليمية بأن المدرس سواء في التعليم العام أو العالي أحد العناصر الأساسية للعملية التعليمية، فبدون مدرس مؤهل أكاديمياً ومتدرب مهنياً يعي دوره الكبير والشامل لا يستطيع أي نظام تعليمي الوصول إلى تحقيق أهدافه المنشودة.
ومع الانفجار المعرفي الهائل ودخول العالم عصر العولمة والاتصالات والتقنية العالمية أصبحت هناك ضرورة ملحة إلى مدرس يتطور باستمرار متمشياً مع روح العصر ويلبي حاجات الطالب والمجتمع.
فلابد لمن يمارس التدريس وخاصة في جامعاتنا وكلياتنا ومؤسساتنا التعليمية أن يتميز بقوة الشخصية والقيم النبيلة والقدرة على الاتصال والتواصل والإتقان بالجانب المعرفي وأن يكون معلماً ومتعلماً في آن واحد فيحرص على المتابعة والاطلاع على كل ما هو جديد ومستجد في حقله ليكون واثقاً مما يقول كما أن للمدرس علاقة وثيقة بدراسته لطرق التدريس وأساليبه المختلفة، والتحاقه بدورات تدريبية ليواكب التغييرات والمستجدات المتلاحقة ويؤمن بنظرية التعليم مدى الحياة.
إن مهنة المدرس عظيمة لأنه الشخص الذي يقوم بعملية التعليم المنهجية، فهو الذي يشكل العقول والثقافات من خلال هندسة العقل البشري، ويحدد القيم والتوجهات ويرسم إطار مستقبل الأمة، وإن من يحدد نجاح أو فشل المدرس في هذه المهنة هو عشقه ورغبته في ممارسته للتعليم لأننا ندرك أن الدافعية هي أهم شرط لإنجاح التعلم والتعليم أيضاً فإن لم يكن محباً لمهنته راغباً فيها يعيش لها ومن أجلها فعندها فقط سيكون مهيأ لمواجهة جميع التحديات بضعف وإخفاق مما ينتج عنه عدم احترام من الطالب وفئات المجتمع.
إننا نجد اليابان تطلق على المدرس لديها لقب مهندس بشري لأن لها مواصفات لابد أن تتحقق في المدرس وأن يكون مؤهلاً تأهيلاً يمكنه من أداء رسالته باقتدار معتمدة على إلحاقه بدورات تدريبية لاطلاعه على كل جديد في مجاله وتدريبه على استخدام الطرق الحديثة والتقنيات التربوية وتشجيعه على البحث العلمي والتجريب في مجال الإعداد وتنمية مواهبهم وتوثيق انجازاتهم وأنشطتهم في الدراسات والأبحاث وحضورهم المكثف للمؤتمرات ومشاركتهم فيها وتقديم الحوافز والمكافآت المادية لتنمية واقعية المعلم وحبه لمهنته والانتماء إليها لتخلق لديه شعوراً بالأمن والرضا الوظيفي في تخصصه جنباً إلى جنب ليتفاعل مع إيجاد الآراء والأفكار لقضايا مجتمعه ويساهم في تطويره وتنويره متواصلاً إيجابياً معه.
من هنا أؤكد على أن مؤسساتنا التعليمية مطالبة بالبقاء على اطلاع مستمر على التغيرات التكنولوجية السريعة في مستوى العالم فإن التدريس بشكل عام وتعليم المدرسين بشكل خاص مطالبون بنفس الشيء فالمدرس غير الملم باستراتيجيات التعليم الفعالة وغير المدرك للأنماط المختلفة للتدريس ولتقنياته المختلفة المحفزة على التعلم والتعليم وكذلك غير المدرك لحاجات طلابه المختلفة ولاستعداداتهم المتفاوتة فإنه لا ولن يتمكن يوماً من إحراز التغير المطلوب، فلابد إذن من الارتقاء إلى أفكار تعليمية أخرى كالتعليم المتمركز حول الطالب والقاعات والصفوف التفاعلية، فلن يكفي إدخال التقنيات والتكنولوجيا الحديثة إلى جامعاتنا ولكلياتنا ومدارسنا بل الأهم هو وجود مدرس فعال مؤمن برسالته ويعمل على تسليح نفسه بكل ما هو جديد من معرفة وتدريب مطلوبين ليستطيع إحراز تغييرات جذرية في مواصفات الجيل الجديد فالمعلم اليوم يجب أن لا يستمر كناقل وحافظ للمعرفة ومصدر وحيد بل إنه يجب أن يتغير ليصبح مرشداً وموجهاً وميسراً للعمليتين التعليمية والتربوية.
فلابد من أن يبدأ التغيير بأولى خطواته من الجامعات والكليات، فعلى أساتذة الجامعات والكليات أن يكونوا أول من يرفع راية التغيير للمضي قدماً نحو عملية إصلاح التعليم ونوعيته وذلك من خلال تصميم برامج إعداد وتدريب المدرسين وإجراء التغييرات المناسبة على هذه البرامج وأسس انتقاء طلابهم كرفع معدلات القبول فيها مع ضرورة التركيز على احتواء البرامج على أفضل وآخر المستجدات وأساليب التدريس، ومن هنا فقط نستطيع إيجاد نواة من المدرسين الأكفاء المعدين إعداداً علمياً ممتازاً إلى جانب امتلاكهم لمواصفات ومقومات لشخصية المدرس القائد «الكاريزما» قادرين بذلك على تحقيق رسالة مفادها إيجاد جيل يحمل مواصفات إبداعية قادرة على مواجهة تحديات العصر حراً قادراً على التعبير عما يريد ويرغب قادراً على تحقيق غايات مجتمعه بجميع أبعادها.
ويتفق جميع من كان داخل دائرة التعليم أو طرح هذه القضية أنه لابد لنا أن نرتقي بمدرسينا إلى فضاءات أكثر إبداعاً وتحليلاً وتأثيراً. لنعيد لهذه المهمة العظيمة السامية سمعتها التي لطالما كانت الأفضل في مجتمعاتنا لنجد مع هذا المدرس جيلاً جديداً فنحن في أمس الحاجة له فهو الثروة الحقيقية التي إذا حصلنا عليها فلن يكون للمستحيل مكان في واقعنا فلنبدأ معاً نحو التغيير.