( السبت 18/07/1430هـ ) 11/ يوليو/2009  العدد : 2946  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • أحوال
    • أفراح
  • كتاب ومقالات
  • دوليات
  • اقتصاد
    • حوار
    • أحداث
    • أسهم
  • المشهد الثقافي
    • متابعات ثقافية
    • طب وعلوم
  • سوق عكاظ
  • رياضة
  • حوادث
  • الأخيرة
كتاب ومقالات...

عبدالرحمن الجوهري
انفلونزا المثقّفين !
الساعة الثانية بعد منتصف الليل، السابع من تموز، الرحلة العائدة من بيروت، مطار الملك خالد الدولي، بوابة انفتاح العاصمة الرياض على العالم، على ثقافاته وأبنائه وحضاراته وأكوانه. يصفر موظف الجمارك، يوقف مواطنا عاد ليرى بسمة الوطنِ على شفاه مرحبيه: «افتح شنطتك، وانتظر». يفكر ما الذي يمكن أن يوجد بشنطته، هل يمكن أن يدس أحد شيئا بداخلها، هو يعرف لا شيء فيها، سوى سترات جسده: الملابس. وسترات عقله: الكتب.
يخرج الموظف الملابس بحدة، ينفض كتبه، يقلبها، يتهجى موظف الجمارك العناوين المبهمة، الكتب الملحدة هذه، أي شياطين يمكن أن تندس هذه الصفحات، فتخرب وتشعل وتدمر وتودي بحياتنا. يأمره أن يأتي بالشنطة الأخرى، لاحظ: يأمره. إن من البائس أن يتحول الموظف من خدمة الجمهور إلى سيادتهم، من تلبية احتياجهم إلى إنزال أوامره عليهم. ومن يكون، ربما لا يكون شيئا أمام من يلتقيه عائدا، لا سنا ولا وعيا ولا ثقافة ولا حتى سلوكا.
ينبغي أن يكون هذا الكلام جارحا، لأن توقّف نصف ساعة لمسافر دون حق، وتعطيل مستقبليه: أهله، أمه المستيقظة حتى اللحظة هذه، من أجل الكتب التي بحوزته، يعد مشينا في عصر ينفتح كل شيء فيه على كل انغلاق. كيف يمكن أن نتباهى بانفتاحنا بينما يحرس جنود الجمارك والإعلام حدود الوطن من الكتب كما يحرسونه من الهروين.
حين أخبر الراكب حضرة الموظف في تلك الساعة وتلك الصالة، بتأخر الوقت، وبشيء رائع يسمونه المرونة مع الصحفي والمثقف والمتعلم، بشيء يسمونه الانصياع لأوامر وكلاء وزارته ومديريه، حين أخبره بتصريح الدكتور السبيل بخصوص عدم منع الكتب التي تكون خاصة بحوزة مواطنٍ ما، كيف إن يكن باحثا، وإعلاميا، ودارسا دراسة عليا. فاجأه موظف الإعلام: «مين هو هذا عبدالعزيز السبيل»!
إن موظف إعلام لا يعرف عبد العزيز السبيل، مدير عمله، كما يقول صديقي الممتحن تلك الليلة، هو بالأحرى لا يمكن أن يعرف تشومسكي ولا جارودي ولا أبوعفش ولا سانتا يورغا ولا الصادق النيهوم ولا حتى عبده خال.
إنه لمن البؤس أن تعامل الكتب كأقراص التخدير وحبوب المنبهات، كزجاجات الويسكي، كالأسلحة الفتاكة، أن يعامل الكتاب كلغم، أن يغدو موظف الجمارك كاسحة كتب، لا كاسحة ألغام. إنه لعار أن يشهد بقية الركاب الأجانب على الرحلة موظفا يستوقف مواطنا ليدقق في عناوين كتبه، ليفتش صفحاتها بحثا عن الشيطان اللعين. ليرى هل سترضي ذائقته البليدة، تلك التي لا تفرق بين أدب ولا نقد ولا شعر ولا نثر. ولا تدري أكتاب طبخ هذا، أم كتاب دراسة بحثية في الانثربلوجيا.
حتى الكتاب، يا عزيزي المواطن، لا يمكن أن تدخل به هذا الوطن بارتياح، بسرور معرفي ، إن رجل الجمرك سيرى إن كان فيه من النقد ما يهز شعرات رأس شاعره الأصلع.
موظف الجمرك الذي عجز عن معرفة فجور هذه الكتب، فأحالها لزميله، نموذجان لقطاع عريض من حملة السيوف في وجه الانفتاح. إنهم الحرس على كل قافية من الشعر وسطر من النثر. هذه المرة قال لي صديقي، شعر ت بإحباط حين اتصل بي «نزيه أبو عفش» من الليلة التالية، لأخبره أن كل كتبه في حوزة رجال الجمارك، لأن الموظف الليلي لا يعرف كنهها، ولأن المدير الصباحي لم يأت لدوامه حتى أذان عصر اليوم التالي. قال لي صديقي: هل يمكن أن نصل ليوم تكون ذائقة الإنسانِ فيه هي من يحدد ما يقرأ. لا ذائقة الأمي الذي يكون أول من يصافح وجهه في المطار. هل يمكن أن يعرف الموظف أياَ يكن منصبه صلاحياته، وحدود عمله، بدلا من أن يكون موظف جمرك وحارس قيم.
هذا السؤال محال لوزارة الإعلام لا الإعدام، لرجال الجمارك لا المعارك، برجاء.. أوقفوا مسلسل التشهير بالثقافة والكتب كأشياء مهربة، مسلسل إحباط المثقّفين العائدين ببسمة الحنين للوطن، مسلسل إرباك الناس في الساعات المتأخرة من أجل أن موظفا ما، قرر في لحظة ما أن يتحول لمسلح جديد لحماية الثقافة.

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • البُرجعاجيّون! (2/2)
  • البُرجعاجيّون! (2/1)
  • كلّنا رجال هيئة
  • الصحافة عن بعد!
  • رق العصر المتمدن !

عناوين كتاب ومقالات

  • عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!!
  • أشـواك
    المهرجانات السياحية!
  • الجسد ليس «عَيْباً»
  • مــع الفـجــــر
    إتلاف أدوية!!
  • عـلـى شـارعـيـن
    الاختباء الأمريكي في العراق
  • المصالحة الوطنية في العراق
  • قمة زعماء مجموعة الثماني.. هل يمكن التعويل عليها؟
  • بعض الكلام
    فيروس الإرهاب
  • على خفيف
    ما هو المانع؟!
  • جامعة الإمام .. أين الحقيقة!!


محليات - كتاب ومقالات - دوليات - اقتصاد - المشهد الثقافي - سوق عكاظ - رياضة - حوادث - الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000