( السبت 11/07/1430هـ ) 04/ يوليو/2009  العدد : 2939  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • أحوال
    • أفراح
  • كتاب ومقالات
  • دوليات
  • اقتصاد
    • أسهم
    • متابعات
    • تقرير
  • المشهد الثقافي
    • طب وعلوم
    • الذاكرة الشعبية
    • متابعات ثقافية
  • سوق عكاظ
  • رياضة
  • حوادث
  • الأخيرة
كتاب ومقالات...

عبدالرحمن الجوهري
البُرجعاجيّون! (2/2)
ليست المشكلة أن تكون مثقفا، وتعتزل، المشكلة أن تكون معتزلا غير ذي ثقافة، وتحسبك معلم جهالة البشرية الأخير، الفنار المتبقي في محيط الظلمات، المرشد الذي لم يحالفه الحظ ليتبعه أحد.
جزء من الثقافة، بل أعلاها: السلوك. كيف يمكن أن تساير الناس، وأن تعلمهم كيف يسايروك، بوصفك أنموذج الثقافة، الثقافة التي تريك تضاؤل حجم أنويتك بازدياد حجومات ثقافتك، والتي تنفي عنك النرجسية، بمنحك وعيا آخر جديدا.
الذين اعتادوا شزر النظر من أجل جرعتي كتاب مترجم، وجهامة الوجه لأجل حفظ خمسة أسماء أعجمية، وحدة الزاوية لقراءة ما يمنع داخل محيطهم قصد المباهاة مع الأصدقاء ذوي الرتابة، أو لأجل الحصول على شهادة من شقة مأجورة مستأجرة. عليهم أن يدركوا أن الثقافة ليست ردم هوات العقل وملء بحيرات الرأس الأجوف بأية هباءة تطير أو نفاية ترمى، وليست بتنشية الثياب، ومكيجة القفا، وتلميع صورة واثنتين في مجلات التموين والتمويل، وصوالين مجالس الثقافة الخاصة المعتزلة المعزولة.
إنه لا ينكر ما لثقافة الكتلة والقراءة والبحث والتمحيص والعزلة والنظر والتأمل من وجاهة ونفع، لكننا أحوج لمثقف البلد، وناصح الحي، ومعلم الصبية، وافلاطون واقعي متزن، أكثر منا لسقراط حالم متمن معتزل في دير كنيسة مهجورة.
من يقرأ ديوانا ليعتزل شبرا، ويحفظ صفحة ليتوارى أسبوعا، نقول له: إن قرصا واحدا، بخمسة ريالات يحفظ من الشعر ما لا تحفظ لا أنت ولا أبوك ولا قبيلتك، وإن أيقونة واحدة على الشبكة، لتعرف من العلم والأمر والثقافة ما لا يمكنك تحصيله ولو قضيت ألف عام من العزلة لا مائة فحسب.
إن المجتمع لا يحتاج لمثقف الكمية، قدر ما يحتاج لمثقف الكيفية. من يعرف كيف يعالج بؤس جهالاته، ويداوي عليل أسقامه. أما المؤرشفون من «الرجال الجوف»، من لا يصلحون سوى علائم على طريق التيه، وأطلالا في متاحف التاريخ. أولئك ليس المجتمع بحاجتهم، هم عبء عليه وعار، وأبأس من ذلك أن يتذمرون: هذا المجتمع لا يصلح لنا، ولا نصلح له، لقد تأخرنا في المجيء، أو بكرنا فوق المعتاد.
ومن الجيد أن ندرك أن المثقف يمكن أن يكون رجل دين أو واعظا أو لاعب كرة أو مهندس اتصالات أوصيدليا. من يحصر المثقف في دائرة «الأندية الأبدية» ومجالس وزارة الثقافة وملتقياتها وحملة الدالات ومرتادي أبهية المكتبات للمباهاة، جاهل لا يدرك طبيعة الثقافة ولا من حاملوها.
المثقف، كائن يمكنه أن يكون جرسونا ونادلا وطبيبا وإماما وعامل ورشة تصنيع وحلاقا ومأذونا، المثقف ليس حليق الوجه، أملط القفا، قارئ الصحف الأجنبية، شارب القهوة صباحا، مستمع بيتهوفن ليلا، والنائم في غياب جبة عزلته بعيدا عن صخب المدينة، وضجيج الشارع المهموم. ينبغي أن ندرك هذا، أن نعيشه، أن يصبح المثقف كل رجل هنا، كي نراهن على مجتمع واع مدرك ومثقف.
انتهى زمن التمثيل الثقافي، زمن المثقف ذي القبعة والرياش والصحيفة، وبدأ عهد واضح صريح، إما أن تكون مثقفا حقيقيا، واعيا واقعيا، وإلا فإن اسما مستعارا في شبكة وهمية، سيعري كل موسوعات الوهم التي تملك، شئت أم أبيت، إن شقق الشهادات العالية، وحملة الدالات الزائفة، ينبغي أن تقف، يجب أن ترفع في وجهها أكف الثقافة المناضلة الحقيقية.
إن الثقافة ليست ربطة عنق، ولا شماغا منشى، الثقافة هم وواجب، توعية ومسؤولية. الثقافة ليست مصلا ضد العامة، ولا واقيا تحذيريا منهم، ولا بعدا مرجفا عنهم. وليست أيضا معاريض نياحة ولا دوام تشك وتصدية. إن أكبر ما يبتلى به مجتمع من ناحية مثقفيه، المثقف النائحة. النائحة ليس على هموم مجتمعه وآلامه، قدر ما هو على مستوى «حزمة» كتبه وشهاداته، والتي هي بعض منح المجتمع عليه.
أن يظل ديدن المثقف في كتبه ومقالاته وحواراته الصراخ والإجلاب على أعدائه الوهميين، من المؤمنين والكافرين، من لم يقدروا مواهبه، ولم يدركوا حجم الحقل/العقل الذي منحه الله. حين يصبح قدر المثقف اللعن بسفول، والشتم بنزول كل من لم يعترف بألمعيته ولم يناد بعبقريته. حين يصبح المثقف حصانا مسرجا للرد على كل طريدة تدخل حمى جهالاته، وسيفا لامعا للمبارزة والرقص. حين يصبح كذلك، تغدو البرجعاجية في أوج اعتلاءاتها، ولا يلزم المثقف حين ذاك، مع اقترابه من وهم السماء، إلا أن يسوي حساباته الدنيوية، عل الله أن يعوضه في الآخرة ما حرمه البشر اللامنصفون في الدنيا الأرضية.
ذلك أن الثقافة ضد الأنوية، عكس النرجسية. وكلما ازداد وعي المثقف كلما توطأت أكنافه أكثر، وكلما اعتلى برج المثقف ازدادت أنويته، واعتلى ضجيجه وصخبه. وإن من المعلوم، كون الشيء كلما ارتفع ولو وهما، كلما كانت وقعته واقعا، أشد إيلاما وكسرا.
johary67@gmail.com

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • البُرجعاجيّون! (2/1)
  • كلّنا رجال هيئة
  • الصحافة عن بعد!
  • رق العصر المتمدن !
  • المتسوّلون الجدد

عناوين كتاب ومقالات

  • الجهات الخمس
    القضاء على الفقراء!
  • مداولات
    جواب للدنيا وللآخرة
  • ليس إلا
    من هم هؤلاء الهمجيون؟
  • من أجلك
    يا أهلا وسهلا..
  • إضاءات في الخصومة
  • مــع الفـجــــر
    المروجون من النساء والمتخلفين
  • أشـواك
    دق يا دقاق
  • على شارعين
    بين ثول و(كاوست)!
  • هل نحن بحاجة إلى وكالة للطاقة النووية ؟
  • بعض الكلام
    عالم الفيس بوك


محليات - كتاب ومقالات - دوليات - اقتصاد - المشهد الثقافي - سوق عكاظ - رياضة - حوادث - الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000