( الخميس 09/07/1430هـ ) 02/ يوليو/2009  العدد : 2937  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • أحوال
    • أفراح
  • كتاب ومقالات
  • اقتصاد
  • المشهد الثقافي
  • العالم
  • سوق عكاظ
  • رياضة
  • حوادث
  • الأخيرة
  • الدين و الحياة
    • الساحة
    • القضية
    • شباب وفن
    • مكاشفة
    • مساحة حرة
    • جسور
    • الثامنة
كتاب ومقالات...

احمد عائل فقيهي
العودة إلى الينابيع الأولى
أجدني دائما وأبدا أكثر انحيازا واقترابا من الشعر وإلى عالم الشعر، ومهما بُعدت أو ابتعدت عن الشعر، أهرب إليه من رتابة الكتابة واعتيادية المعاش في الحياة والقراءة الفكرية والجادة، أشد الرحال إلى القصيدة بإيقاعاتها اللاهثة في ليل يمتلئ بالقوافل وصوت حادي العيس وأدخل في لحظة القصيدة في عذوبتها الأولى وبكارتها الأولى ولغتها الطازجة.
وأجدني دائما وأبدا أكثر انشدادا إلى القصيدة الأولى التي كتبت بلوعة العشق وحرقة المعاناة تلك التي تختصر الحياة العربية ذاكرة وذكرى.
وبعد سنوات طويلة في السفر في تجربة الشعر الحديث التي شكلت انعطافا في مسار وتجربة الشعر العربي بكامله بعد قراءة لتجارب كبيرة لشعراء كبار من أمثال نزار قباني و بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وأحمد حجازي ويوسف الخال وأدونيس ومحمود درويش وخليل حاوي ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وآخرين كثر، وفي الشعر المعاصر من شوقي وحافظ والجواهري حتى البردوني.
وبعد سنوات استغرقتني وأغرتني في قراءة الشعر الحديث والمعاصر أعود بحنين جارف إلى قراءة الشعر العربي القديم عدت إلى قراءاتي الأولى نثرا وشعرا عدت لأقرأ أبا الطيب المتنبي وأبا العلاء المعري وأبا تمام وأبا نواس وبقية الشعراء الذين أسسوا لهذا البنيان الجميل المسمى بالشعر العربي، أولئك الذين وضعوا «المداميك» الكبيرة والمتماسكة في معمار القصيدة العربية أولئك الاباء التاريخيون لتلك القصيدة وبالمقابل عدت لأقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي ولأقرأ نثر المتصوفة الجميل والعميق عند ابن عربي والنفري وابن الراوندي وآخرين، عدت من خلال هذه القراءة لقراءة نفسي مرة أخرى التي اكتشفت أنها تحتاج إلى إعادة قراءة أكثر عمقا وأكثر فهما للحياة وللناس لأن قراءة النفس وقراءة الذات وقراءة الأمكنة أصعب قراءة وأكثر قسوة على النفس وعلى الذات ونحن أكثر احتياجا لقراءة دواخلنا قبل قراءة وفهم دواخل وذوات الآخرين إنه الوعي الأول بكل شيء بالناس والأمكنة والذات.
إنها عودة واستعادة لقراءة القصيدة العربية في نسختها الأولى الطازجة والنموذجية التي أعدها واعتبرها المعبر الأساسي عن الإنسان العربي الأول جاهليا وعباسيا وأمويا عن همومه وهواجسه وعن طموحه وجنوحه عن رغباته وشهواته عن يقينه وأنينه وحنينه عن عذابه وعذاباته.
لكأن القصيدة هي النقش الأول للإنسان العربي ذلك الذي تحركه اللغة وترقصه المعاني وينتشي من لمعة البرق اليماني وسقوط المطر ولفتة جيد المها، المعادل الآخر للمرأة الهاربة في ليل الحزن والعشق والولع ولوعة الفراق وانكسار المعنى في المسافة بين سيف القبيلة وسيف الصحراء.
كأنما العودة إلى الشعر والأمكنة عودة إلى الصفاء الأول والينابيع الأولى حيث ذلك الحزن المغسول بماء السراب وهجير الصحراء ولوعة الطفولة وتلك الجمرات التي تعبر حمرتها عن الاشتعال والاحتراق عن الرماد الأخير.
نتجول في حديقة الشعر فنقطف من هنا زهرة ومن هناك وردة في هذه القصيدة نشم رائحة شميم العرار ونبت الخزامى ونبصر في تلك القصيدة الباسقات من النخيل والفارعات والفاتنات من النساء ندخل في خيمة الشعراء وندخل قصور الخلفاء والأمراء ونسافر في العصور والأزمان يتحول الشعر إلى سيرة للإنسان والمجتمع والتاريخ يتداخل السياسي بالديني بالإنساني والعاطفي بالمحرم والمسكوت عنه جسديا وسياسيا واجتماعيا نذهب إلى أقصى احتمالات القصيدة إلى أبعد من الزمان والمكان ولذلك تظل القصيدة العربية القديمة حاضرة بهذا الحضور البهي والمضيء لكل الشعراء الذين يمثلون هذه السلالة من قبيلة الشعراء أمرائها وصعاليكها عقلائها ومجانينها الغارقين في نشوة الإنشاد والانتشاء والسابحين في ليل الأحلام الهاربة العاشقين حتى الانطفاء والغارقين في لذات الحياة ومغرياتها حتى التلاشي والذوبان والطامحين إلى المعالي.
إذن هي عودة إلى الينابيع الأولى إلى الشهقة الأولى لأن الوعي بالراهن والمستقبل يقتضي معه الوعي بالماضي فكرا وشعرا وتاريخا وفلسفة، وليست هناك قيمة معرفية يمكن أن تتأسس للذاكرة، طالما هناك حالة انشطار بين عالم مضى ولازال يضيء بما صنعته وأبدعته الذاكرة وبين مستقبل سوف يأتي محملا بالأمل والأماني، إن الثقافة والإبداع قبل أن تصبح مجرد متعة وذائقة ووعي شاهق باللغة وأسرارها لابد أن تحمل في تجلياتها تاريخ الإنسان وتاريخ الأرض لأنها تحمل هوية الإنسان وذاكرته أيضا.
a_fagehi@hotmail.com

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • الخروج من دوائر التلقين
  • من حداثة الشعر إلى حداثة الفكر
  • المجتمع السعودي.. والخوف من الحرية
  • العقل السعودي.. وحدوة الحصان
  • المجتمع بين التحديث والممانعة

عناوين كتاب ومقالات

  • الجهات الخمس
    القبض على جهاز صراف!
  • ليس إلا
    لأننا عباقرة فسد عالمنا
  • على شارعين
    .. ولكن ينقصنا الخيال!
  • تفاصيل
    تسريع البت في القضايا
  • وابل
    شفافية الوزير المفرطة
  • قواقع
  • مــع الفـجــــر
    رسائل من بريد القراء
  • من واقع الحداثة إلى روح الحداثة
  • بعض الكلام
    انفلونزا الإرهاب
  • عود ثقاب
    صوت بلا صدى


محليات - كتاب ومقالات - اقتصاد - المشهد الثقافي - العالم - سوق عكاظ - رياضة - حوادث - الأخيرة - الدين و الحياة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000