قواقع
سبحان الله في روائع خلقه ...تأمل في هيكلك وستجد أنه يستحق وقفة تأمل وإعجاب...طبعا هياكلنا ليست مجموعة عظام، فهي منظومة هندسية إنشائية جميلة جدا بداخلنا... وهي «ملبسة» تلبيسة محكمة ومحمية من مجموعات العضلات والأوردة والجلد...ولكن بعض الكائنات لديها هياكل خارجية، أي خارج أجسامها... وقد يبدو هذا المفهوم غريبا بعض الشيء ولكنه يتميز بخفة وزنه وقوته العجيبة...تأمل آخر مرة قتلت صرصارا أو ذبابة، أعزك الله، ولاحظ أنك غالبا قد ناولتهما الضربة القاضية بتحطيم هياكلهما أي أنهما تحطما من الخارج ...وتتميز هذه الهياكل الخارجية أيضا باقتصاديات حشر حجم كبيرة نسبة إلى إجمالي الغلاف الخارجي بداخل جسم المخلوق... وخصوصا للكائنات الصغيرة كالحشرات، وبالذات للطائرة منها والتي تهتم بخفة الوزن بشكل خاص لأن أية زيادة في الوزن تترجم لأعباء كبيرة في مجهود الطيران...وبالمناسبة فهياكل الطائرات التي نسافر فيها خارجية وإلا فسنجد صعوبة في الجلوس بداخلها...فكر في العناصر المشتركة بين الذبابة والجامبو في رحلتك الجوية القادمة وستجد العديد من الطرائف...و موضوع الهياكل الخارجية لا يقتصر على كائنات البر والجو فستجده بكثرة لدى العديد من الكائنات البحرية التي تحمل هذه الهياكل أينما ذهبت والتي نعرفها بالقواقع...وهي تبهرنا بجمالها وخصائصها الهندسية والكيميائية المميزة لدرجة أن هناك علما خاصا بالقواقع اسمه كونكولوجي Conchology على وزن «تكنولوجي»، وهو يضم مجموعة تخصصات علمية وشبه علمية ...الشاهد في الموضوع أن خصائص القواقع الهندسية وخصوصا في ما يتعلق بصلابتها، وبتدوير هيكلها والاستفادة من الخصائص الهندسية للقباب في تكوينها، كل هذه توفر لها خصائص تتفوق من خلالها على أقوى المصفحات العسكرية نسبة إلى حجمها...ولكن السر الأهم في الموضوع هو نسبة الوزن إلى القوة التي توفرها القواقع، فالعديد من المخلوقات البحرية تحملها معها أينما ذهبت وبالتالي فموضوع الوزن مهم جدا، علما بأن كثافة الماء تسمح بتخفيف العبء عن حامل القوقعة...
ولكن هناك ما هو أهم من كل هذا وهو القوقعة في عالم الإنسان، فالبعض يتقوقعون، وكأن لديهم قواقع يدخلونها ليشعروا بالأمان بعيدا عن كل ما يزعجهم....والخوف هنا هو أنه كلما كبر حجم المسؤولية، زادت مخاطر القوقعة، لأنها تحجب العديد من الأمور التي مفروض أن تكون أمام أبصارهم...أنظر مثلا في بعض القضايا الجوهرية التي يبتعد عنها العديد من البشر بداخل قواقعهم الآمنة: وضع الفقر في العالم اليوم وبالذات ما يعاني منه الأطفال، والسيدات...وضع المعوقين في مدننا، علما بأن معظم المدن الإسلامية والعربية قاسية على الضعفاء.
أمنيــــة
لو بحثت بتمعن حولك الآن ستجد العديد من القضايا الإنسانية التي تنتظر تدخلات سريعة بشكل أو آخر...فقراء، وأيتام، ومظلومون ومظلومات في العديد من الأماكن، ولكن معظم العالم يتقوقع...أتمنى أن لا نتقوقع حيال الضعفاء والمضطهدين، وبالذات في غزة والقدس والخليل وفى كل مكان. والله من وراء القصد.