من قال إن لدينا 3 ملايين فقير !؟
هذه العبارة نسبتها «عكاظ» يوم الاثنين الماضي لوزير الشؤون الاجتماعية بعيد رعايته مساء الأحد للحفل السنوي الذي أقامته وزارته لتكريم المتقاعدين والمتقاعدات في وزارته. وحسب «عكاظ» فإن الوزير استدرك قائلا (لدينا 600 ألف حالة أسرة ضمانية). وبحسبة بسيطة يمكن أن نعتبر أن كل أسرة تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء كمتوسط للأسرة السعودية النووية، مع تجاهل أن كثيرا من الأسر هي في الحقيقة ممتدة تشمل الجد والجدة وبعض العمات والخالات في الأسر الفقيرة، يمكن بحسبة بدائية بسيطة أن نجد أن حاصل ضرب (600000*5 = 3,000,000) مواطن سعودي بالتمام والكمال. وأظن خلافا كبيرا لن يقع بيننا وبين الوزير في تسميتهم (ضمانيين) أو (فقراء) أو (مساكين). فالتسمية لا تغير من واقع الأمر شيئا وهو أن تلك الفئات من الأفراد والأسر لا تستطيع توفير الحدود الدنيا من اشتراطات الحياة الكريمة اعتمادا على مواردها الذاتية دون مساعدة من آخرين.
أما التصريح الأهم الذي نسبته «عكاظ» لنفس الوزير فهو في اعتزام الوزارة توفير التأمين الطبي للمشمولين بالضمان الاجتماعي وتسديد فواتير الكهرباء الخاصة بهم دون أي استقطاعات من مخصصاتهم القائمة. وهذا التصريح إضافة إلى تصريح سابق (لمصدر رفيع) في وزارة الشؤون الاجتماعية، عن «تأييد المقام السامي لبرنامج بطاقة الشراء المجاني والمخفض، التي ستشمل 690 ألفا من مستفيدي الضمان الاجتماعي»، مؤكدا على أن «توزيع البطاقات لن يتجاوز 90 يوما». وأوضح المصدر، أن البرنامج قدم مع حزمة من المشاريع سيكشف عنها قريبا، جميعها حازت التأييد من المقام السامي، «وسوف تتضمن البطاقة حدا معينا شهريا يستطيع بها المستفيد من الضمان شراء المواد الغذائية، وفي حال انتهاء الحد المسموح يمكنه شراء حاجاته بتخفيض خاص». ولفت المصدر إلى أنه تجري حاليا دراسة الآلية التنفيذية، إذ «أن هناك خيارين مطروحين، إما عرض منافسة على الشركات الرائدة في مجال التموين الغذائي (هايبر ماركت، السوبر ماركت)، وهذا سيضمن عدم التلاعب مثل استبدال التموين بمبالغ مالية».وبين المصدر أنه في حال الاعتماد على الخيار الأول «سنلزم المتعهد بفتح فروع في جميع المدن والقرى أو مناطق التجمع للمستفيدين»، مشيرا إلى أن الخيار الآخر «يعتمد على اتفاقات مع متاجر تموين مختلفة في كل مناطق المملكة».
ومع تجاوز ملاحظة الفرق في عدد المستفيدين بين تصريح الوزير والمصدر الرفيع في الوزارة الذي يمكن أن يفسر بأن برنامج البطاقة التموينية ربما لن يغطي كافة مستحقي الضمان ولكن الشريحة الأكثر حاجة منهم، يمكن القول بأنه إذا ما رأت هذه الأفكار النور وأخذت طريقها للتنفيذ فإن الوزارة في عهد الوزير الحالي تتجه نحو آفاق جديدة لم يسبقه أحد إليها في مساندة الأشد احتياجا من المواطنين السعوديين.
والحقيقة أنني من أسعد الناس إن لم أكن أسعدهم باعتزام الوزارة الأخذ بفكرة (البطاقة التموينية) التي هي واحدة من ثلاثة مداخل سبق أن طرحتها في مقالتي (الإعانات الغذائية) التي نشرت في العدد 2271 بتاريخ 5/7/ 2007م لمواجهة آثار التضخم المتصاعد على الأسر والأفراد الفقراء وذوي الدخل الثابت. وتساءلت حينها عن اختيار الرز كسلعة غذائية مدعومة؟ وهل الإعانة التي تخصص لأصناف معينة من المواد الغذائية هي المدخل الأمثل للسيطرة على ارتفاع أسعارها أم أنها وسيلة لملء بعض الجيوب بنقود سهلة؟ وأخيرا كيف يمكن التعامل مع المشكلة دون تمييز أو تفضيل لمنتج غذائي على آخر في الأجلين القصير والطويل؟
وسأركز هنا على المدخل الثالث الذي طرحته في تلك المقالة الذي ارتأيته حينها في الأجل القصير للتعامل مع المشكلة والذي يتمثل بتقديم إعانة غذائية للمواطنين بصرف قسائم (كوبونات) لكل عائلة سعودية تتناسب قيمتها عكسيا مع مستوى دخل الأسرة وطرديا مع عدد أفرادها دون أن تكون مخصصة لصنف غذائي دون غيره بمعنى أن القسيمة تقبل من كافة المخازن التموينية كجزء من أسعار مواد تموينية أساسية كالرز دون تحديد نوعه، والحليب على أن يكون وطنيا لوجود إنتاج كاف منه، والخضروات دون تحديد صنفها واللحوم دون تحديد فصيلتها .. وهكذا (بحيث لا يتم تفضيل صنف على آخر ولا منتج على آخر مع ضمان ترك حرية الاختيار للمواطن حسب ذوقه واحتياجه).
ولقد كان طرحي للفكرة لا يقتصر على الفئة من المواطنين الذين يشملهم (الضمان الاجتماعي) فحسب بل يتعداهم إلى كافة المواطنين من ذوي الدخل الثابت وفق نسبة وتناسب سبق أن أشرت إليها. وذلك لأن (المهم لدينا ليس مجرد انتشال من أجبرته ظروفه على اللجوء للضمان الاجتماعي فحسب، ولكن الأخذ بكل ما يمكن الأخذ به لوقاية غيره من السقوط في دوائر الفقر المفرغة).
ولذلك لا بد أن أشكر وزير الشؤون الاجتماعية والعاملين معه على جهودهم التي آمل أن ترى النور واقعا محسوسا في القريب العاجل (حسب التصريحات المعلنة)، وأرفع النداء من هنا لوزيري المالية والعمل في التعجيل بدراسة تطبيق نظام (البطاقة التموينية) على مختلف موظفي الدولة والقطاع الخاص الذين تقع مرتباتهم الشهرية ضمن شرائح دخلية دنيا لا تفي باحتياجاتهم المعيشية.
وبالنسبة لهاجس الاحتيال في استخدام البطاقة التموينية في غير ما تخصص له أو في الحصول على مبالغ نقدية أقل من قيمة المواد المشمولة في البطاقة فلا يجب أن نعطيه وزنا كبيرا، لأن معظم المستفيدين من مثل هذه البطاقات التموينية هم من المحتاجين فعلا وسيستخدمونها فيما خصصت من أجله كما هو الحال في كثير من الدول التي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية. وكما في دول العالم الأخرى تبقى قلة قليلة من ضعاف النفوس التي قد تفكر في المتاجرة بتلك البطاقات مثلما تاجرت ببطاقات (سوا) وتسيء بالتالي للغالبية العظمى من المحتاجين. ولكن يمكن من خلال نظام ترقيم واضح ومنافذ استلام وتسليم محددة التعرف على مثل هؤلاء. والتعرف عليهم لا يعني بالضرورة حرمانهم بل فقدانهم لأهلية استلامها مباشرة ويتم تسليمها لمن يمكن أن يفرض عليهم استلام موادها عينية حتى لا يتم حرمان باقي أفراد الأسرة من الأغذية التي توفرها البطاقة بسبب رعونة أحد أفرادها وعدم إحساسه بالمسؤولية.
Altawati@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة