( السبت 04/07/1430هـ ) 27/ يونيو/2009  العدد : 2932  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • أحوال
    • حوار
    • أفراح
  • كتاب ومقالات
  • اقتصاد
    • عقارات
    • أسهم
    • أحداث
  • المشهد الثقافي
    • الفنون السبعة
    • متابعات ثقافية
  • العالم
  • سوق عكاظ
  • رياضة
  • حوادث
  • الأخيرة
كتاب ومقالات...

عبدالرحمن الجوهري
البُرجعاجيّون! (2/1)
في كل منخفض من الأرض، تجتاح الرغبة العوالم للبحث عن مكان رفيع. مقاومة للجاذبية، وبعدا عن الحضيض. وليس الأمر بمنته كذلك، إذ ليس كل ارتفاع بارتفاع، والنسر نسر سواء حلق شاهقا، أو هبط على أجمة من صعيد. إن أكبر إشكال يمكن أن يكون، حين يقاوم السقوط المعنوي بارتفاع مادي، وهذا ما سيكون حديثنا للمرة هذه، والتي تليها.
أزمة المثقف حين يراهن من نفسه أنموذجا صالحا نقيا، وجوهرة سريعة الخدش والعطب، غير صالح لمعاشرة بقية الكائنات الأخرى. أولئك الذين يهبطون به لفكر السوق، جاعلين منه رقما في خانة القطيع، والجين به ضياعا تاما في ترهات المجتمع السطحي البليد. يفقد المجتمع بذلك تسوية المثقفين له، ويبتعد المثقفون عنه، فتنشأ فكرة البرجعاجية، ويرحل المجتمع في غيابات تخلف سحيق.
النصف مثقف، يجد في عزلته مهربا عن كشف حقيقته، إنه يعتذر عن أي احتكاك حقيقي بالمجتمع. يجد في هذا الهرب معينا لازما لتسوية أبنيته الهشة، إعلاء طوابق يقينياته الساذجة، وكلما استفرد بوحدانيته، ازدادت أحجام مسلماته، ولم ير في المرايا غيره، ولم يمش في شوارعه سواه، وبذلك يستحيل لـ «كانت» جديد، و «برغسون» لم تشهد أزقة باريس مثله.
نحن لا نطلب المثقف أن يكون يوما في مكتبه بين أدراج بحوثه، ويوما في شارعه بين ذرات غباره. ولا نرجوه أن يترك القلم من أجل المعول، ولا القهوة من أجل العرق، نحن نطالب به أن يكون شعبويا نخبويا، يحس ما يلامس أبشار البشر، ويعرف ما الذي يعانون، إننا لا نطلبه مشاركة العناء، قدر ما نطلبه معرفته.
إن كتب، يكتب عن قول لا يفقهه هو، بحكم كونه ذا الثقافة الرفيعة ولم يفقه هذا، ماذا يكون إذا حال البسيط الشعبي حين يمر بعينيه المنهكتين على رقعة كلامه صبحا، سيستعيذ بالله من الشيطان والشعوذة، ويطلب الله التعويض في الآخرة. إنه بكتابته ما لا يفهم، يقي نفسه شر النقاد الذين لن يفهموه، والقارئين الذين لا يدرون أي بلاء هذا، ويملأ من الصحيفة مكانا كان يمكن أن يكون فيه نعي لمواطن آخر غيره.
وبمثل هذا التعالي على غير جناح، والرسو على غير شط، تمعن فيه الأيام تسوية وإعلاء وتنطيحا لسماوات الجهالة. إن قدر المثقف النصف هذا، حين تبتليه الأيام بباقعة تستنزل منه الأول والآخر، وتتحول حروفه السابقات لشواهد لمقابره الجديدة، ويغدو بعد ذلك مائتا من كمد وهلع وحسرة، يعوضه: أن هذا المجتمع لم ولن يليق به، وبكون الابتلاء درب العظماء وثوار المجتمعات، وبكون الأنبياء من قبله، ابتلوا بأكثر مما حصل له، بمعنى.. «بقيت عليه»!
المثقف الهارب من مجتمعه، إما أنه لا يليق بلقب المثقف، ولذا يختبئ كي لا يكشفه أحد، وإما أن يصل لمرحلة من الوعي والنضج والثقافة لا يليق بعليائها سفول هذا المجتمع، فينعزل حفاظا على وعيه العظيم من ارتكاس ما، وهذا مما لا يحق له أن يطلقه هو على نفسه، بل يكون رهنا لمجتمع يطالعه ويشاهد منتوجه ورؤاه، وبعد ذلك، لو كان جديرا بهذه الثقافة وهذه العزلة، لاقتحمت أسواره زرافات المجتمع هذا، تبحث عن مثقف مجتهد قدير، وما "منجويل" عنا ببعيد.
المثقف لا يهرب، المثقف يواجه، يبحث، يمحص، يكشف، يعلم ويتعلم، المثقف الهارب، مشروع جاهل يتوارى خلف ما تثيره أقدامه الهاربة من غبار. من كان يظن في نفسه أنه ليس ضمن قطيع الشعب، ولا رقم المجموع، من كان يظن هذا بنفسه، فهو ليس لتميزه، قدر ما هو لكونه لا يليق أن يكون قطيعا في الأصل، لا يصلح أن يكون ضمن المجموع، حيث يلزمه الكثير من سنوات وخبرات ورؤى كي يضمه هذا الشعب المجتمع المجموع إلى جنباته.
إن الكثيرين ممن يعيشون هذا الدور، دور القائل: أنا أحسن منكم علما، وأكثر رأيا، وأعز فكرا. الكثير من أولاء مجموعة لا يشكلون مجموعا، وفرادى لا تحق فيهم الصدقة ولا القسمة حتى، وضغثا وإبالة وشيئا من هشيم تذروه رياح أول معركة تمحيص، وتبعثره صولات الأيام، وتفتته صخرة الواقع، لذا اتركوهم، وحدها الشواهد في المقابر المنسية، من ستحتفظ بأسمائهم.
johary67@gmail.com

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • كلّنا رجال هيئة
  • الصحافة عن بعد!
  • رق العصر المتمدن !
  • المتسوّلون الجدد
  • في هذه اللحظة

عناوين كتاب ومقالات

  • أشواك
    لعب العيال
  • الجهات الخمس
    البكاء على «تيار» الكهرباء المسكوب!
  • مداولات
    ماهي الأسباب؟
  • التَّترس بالنَّص
  • مــع الفـجــــر
    لـو تـم التـأهيل لما بقي عاطل
  • على شارعين
    واسطة للإيجار!
  • حراك
    نعش الكفيل
  • إيران: البحر والسفينة
  • القضية الفلسطينية بين خطابين
  • بعض الكلام
    ورحل مايكل


محليات - كتاب ومقالات - اقتصاد - المشهد الثقافي - العالم - سوق عكاظ - رياضة - حوادث - الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000