عبدالرحمن الجوهري
الصحافة عن بعد!
الصحافي.. كائن بشري، يلحقه ما يلحق البشريين من نقص وطمع، وحب للنفس وميل للهوى. لكنه عنهم يختلف، كونه باحث حقيقة أولا، يرفع عن الناس مظالمهم بحبر قلمه، ويزيل عناءاتهم بزوايا صوره، ويدفع عنهم إصرهم والأغلال التي تكبلهم بحواراته ومقالاته وكلماته. يذكر هذا توفيق الحكيم، ويشدد عليه العقاد، إذ يقولان ما مجمله: لا يهدم الأمم ويهزم آفاقها، ولا يرفع أمة ويعلي منارها، أكثر من صحافي وقاض. القضاء والصحافة.. أساس الأشياء الرائعة حين يحسنان ويستقيمان. ومنتهى أمر أمة حين يهويان ويزلان.
لذا، منكر من الأمر أن نرى من ينصبون أنفسهم كتابا باسم الوطنِ والناس، ثم نشهدهم يخطون آلام الوطنِ المزعوم خارج حدوده، ووراء غيابات أسواره، بعيدا عن بكاء المحتاجين، وشكاية العاجزين، ونائين حتى عن ضحكة الفرحين. إن هذا ازدواج في الأمر يضحك الثكلى، ويسلي الموجوع.
أن تكتب عن شارع لم تزره، وتنادي بتسوية أشجار لم تحرقكَ شمسٌ جوارها، وتنادي بهدم مبنى آيلٍ للسقوطِ لم تكن تمرق سيّارتكَ جواره، وتنقلّ همّ وطنٍ لا تأتيهِ إلا حين تريد تمديد ورقةِ إقامتكَ ضيفا على البلدان المجاورة له. إنّ هذا يمنحكَ لقبَ النائحة المستأجرةِ بامتياز.
إن هذا لا يعني مطالبة الصحافي الهمام بزيارة كل حفرة، والوقوف على كل عقبة، وشهود كل بائسة، وتفقّد كل مشفى. إن الذي نرجوه منه: أن يختلط بجمهوره، يعايش من يكتب عنهم قليلا. أن يذوق ملوحة الدمع، ويستطعم مرارة التعب. أن يسمع الأنين مباشرة من صدر المسقوم لا صوت المذيعة. ويمسح رأس اليتيم الضائع في أروقة المحاكم بيديه لا بورق الجريدة. الصحافي الذي لا يحترف الكتابة إلا من فنادق الخمسة نجوم، لا يمكن أن يكتب مقالة تسطر هما بعشر دمعات، ولذلك.. لن يدرك تماما معنى أن يكون بيتك بثلاثين ثقب، لا خمسة فحسب.
أن تصبح مهنة الصحافي، كموثق أفلام حيوانات الأدغال الأفريقية، يذهب في سفرة سياحة وتنزه، يدون شيئا من ملحوظات، يضحك ويفرح، وقد يبهج أكثر وأكثر. لكنه لن يستمع لنداء غزالة جائعة، ولا أرنب لم يجد مأواه، إن أساسه الأول: النزهة.
لا نريد من الصحافي أن يتحول لباك شاك دائما، ولا للصحافية أن تصبح مجرد دموع تحال على الورقِ أحبارا وأخبارا، إنما نحتاج صحافيا لا يمزج قهقهته بألم مصاب على طريقٍ معربد لم يحترم إنسانية من يعبرون عليه. ولا أن يخالط صخب الضحك لفتاة صحافية نموذج ولون أصباغها الفاضح خلفيةَ لوحة تشكيلية لخبر وتحقيقٍٍ وحوار.
الصحافة اختلاط بهموم الناس أولا، وكتابة عنهم ثانيا. ترجمة الدموع لكلمات، ورصف الأفراح لصور وصفحات. الصحافة لا خير فيها إن ظلت قائمة على رقاع الدعوات، ودروع التكريم. ومن مؤتمر إلى مؤتمر، يلمع اسم الصحافي الساذج البليد كمكياج وجنتيه، ويتعود بمرور الأيام، وامتداد الموائد إدمان التملق للكبراء، والنكاية بالآخر الذي لا يحضر مؤتمره هذا، أيا يكنِ الآخر هذا، ويصبح كل أمر الصحافي الجديد، أن يجعل بسمة الضيف في الصحيفة، تساوي رزمة النقود في الحقيبة.
johary67@gmail.com