د. رشيد بن حويل البيضاني
متى ستقوم الساعة!
سمعت أن بعض الخطباء في بعض المدن، وتبعهم لفيف من العامة والسذج، يروجون لفكرة نهاية العالم، بل حددوا لهذه النهاية أول رجب المقبل، ولعل هؤلاء نسوا أن يحددوا لنا الساعة التي ستقوم فيها القيامة.
لن أناقش القضية من منظور ديني، فهي من بدهيات الإيمان، فلا يعلم أحد على وجه الأرض، أو تحت الأرض، متى ستقوم الساعة، وهذه من الحكم الإلهية، لأن معرفة موعد نهاية العالم يدفعنا ــ أو على الأقل يدفع الكثيرين منا ــ إلى نوع من التكاسل والتواكل والإحباط، إنما إخفاء موعدها يبعث الأمل في نفوس العصاة والمذنبين، فباب التوبة مفتوح، وباب العمل الصالح على مصراعيه، وباب الرجاء ما زال يستقبل رواده.
إن مثل هذه الدعوة لها من العواقب ما يعكر صفو الحياة للبشر، ومن شأنها إثارة الفتنة، بل والتأثير على استقرار البلاد وسلوكيات العباد، ولنا أن نتخيل أن مجموعة من رجال الأعمال أخذت تحذير هؤلاء مأخذ الجد، فراحت تبيع في ممتلكاتها، وتصفي أعمالها، وتغلق منشآتها، وتسرح عمالها، فكم يكون حجم الخسائر المتوقعة التي سيدفعها الوطن من جراء اقتناع مجرد مجموعة بهذا الادعاء.
وربما آثرت مجموعة أخرى ترك أعمالها في المؤسسات والهيئات والمصالح، لتبكي على خطاياها، وتعتكف في المساجد، وتنقطع عن الحياة، ولنا أن نتوقع أيضا حجم الضرر الذي سيلحق بالبلاد والعباد.
أعتقد أن الخطبة من عوامل الإصلاح والتغيير الإيجابي، هكذا ينبغي أن تكون، ولا تعني حرية الرأي والكلمة على الإطلاق أن «يخرف» كل من اعتلى المنبر، أو وقف أمام «الميكروفون»، أو جلس في مجلس وعظ أو إرشاد، ومن ثم ينبغي محاسبة كل من يستغل هذه المهنة، وهذه الآليات، فيما يؤثر على أمن البلاد واستقرارها: العقدي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويكفي أن يتأمل كل منا آثار مثل هذه الدعوة على المجتمع.
حتى لو سلمنا جدلا بصدق مزاعمهم، فإننا مأمورون بالعمل من أجل الدنيا حتى لو كانت الآخرة في الغد القريب، ونحن على يقين بأن هؤلاء الخطباء ليسوا ممن حباهم الله تعالى بعلم الغيب.
على هؤلاء العابثين الذين يخوضون فيما لا يعلمون أن يجعلوا من الخطبة أداة فعالة في تقويم سلبيات المجتمع وسلوكيات الأفراد من أجل مزيد من التقدم والازدهار لهذا الوطن.
عليهم أن يوجهوا الكلمة توجيها إيجابيا من أجل رقي البشرية وإسعادها، لا من أجل إثارة الفتنة بين فئات المجتمع وأفراده.
وأول رجب ليس ببعيد. فلننتظر، فإما أن تقوم الساعة بالفعل، ونسأل هؤلاء الصفح والسماح، وإما أن يحاسب هؤلاء ويحاكموا ويعلم الجميع أن قيامتهم هم فقط هي التي حان أجلها في أول رجب.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، وقنا شر أنفسنا، واختم بالصالحات آجالنا وأعمالنا، آمين.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 177 مسافة ثم الرسالة