النويصر تزود بالعطاء ورحل
عبد المقصود محمد سعيد خوجة
لا نملك إلا جرعة ألم لرثاء الرجال الذين حرصوا على طمس ما حرثوا من خطوات تتأبط الخير. نحمد الله أن محمد النويصر ــ رحمه الله ــ كانت الأعين ترقبه في غفلة الظلام، والآذان تسترق حفيف أقدامه، حتى كانت كلمة حق في رثائه. من راقبوه وتقربوا منه ليلا وضحى أجمعوا على صفة واحدة (رجل ليس ككل الرجال)، هكذا وصفوا رحيل قامة من زوايا دنياهم، والتي بقيت داخل أركان قلوبهم، وأحسب أن ما فجرته كلمات الوداع من ذكر أبجديات عطائه يسد ثغرة من شهامته، ويداوي جزءا من فراقه. كان ــ رحمه الله ــ حريصا على لعب الدور الغائب، رغم أنه كان في واجهة العمل العام بصفته الوظيفية، لكنه عرف كيف يوفق بين رغبته في حفيف خطواته، ورغبتهم في دبيب أقدامه، فكانت دماثة الخلق البيت الذي يجمع المتناقضين، يأسرك ببشاشة وجهه، ونضارة كلماته على قلتها، وأعماله الملموسة على غزارتها.
قبل أكثر من 57 عاما، كان لقائي الأول معه عندما زار دمشق مرافقا وسكرتيرا لمعالي الشيخ إبراهيم السليمان ــ رحمه الله ــ في عام 1373هـ.
وقتها كان شابا يافعا ما أن رآني حتى لمس في داخلي الكثير من علامات الاستفهام، وبت كتابا مفضوحا أمام عدسته التي تدرك قيمة العتمة.
وسرعان ما حلت كلماته لغز النظرة الطويلة التي كان يفضح بها الآخرين، فيما استأثر لنفسه بدهاليز تحجب عنه العيون، وعرفت أنه يعرف والدي حق المعرفة خلال مرافقته لوالده في جلسات غداء الشيخ عبد الله الجفالي ــ رحمهم الله جميعا ــ في دكانه بالمدعى، وكشف إعجابه بوالدي، ليبدأ من هنا مشوار محبتي له.
ولم تكن المحبة التي ورثتها من النويصر لوالدي ــ رحمهما الله ــ، إلا مثل محبته التي امتدت معي طيلة حياته.
حمدت الله أن وقوفي أمام النويصر لم يكن إلا محبا، لأنه لا مجال أمامه لإهدار الدقائق في حضرة قامات لم تشغلها الحياة عن الآخرين، بل انشغلوا بالآخرين عن الحياة، كما كان وقوفي أمامه مقتصرا على خدمة الآخرين، لإدراكي أنه وعاء ينبض محبة للخير، وإناء لايعرف أي خط فاصل بين الشاغر والممتلىء، كان من المتزودين بالعطاء ــ رحمه الله ــ.