عبدالرحمن الجوهري
رق العصر المتمدن !
تمام الواحدة ليلا، تخرج فتاة الثامنة عشرة «صيفا». تغلق أبواب بيت خارجية مطل على شارع فرعي. أفكر: وقت متأخر، فتاة بسن صغير مغر، وشارع داخلي، مشروع للشروع في صنع حدث تزهو به غدا صحف الإثارة الانتهازية، يحكي شامتا: «اختطاف خادمة عشرينية في الخبر والجهات الأمنية ... إلخ»، في البلدان النامية، مشاريع الجريمة غالبا، تجيء دون تخطيط.
هذه صورة وحيدة من ألبوم استغلال فتاة صغيرة السن ــ 68 في المائة تحت العشرين ــ ، حديثة العهد بتجارب الحياة وقسوتها، تغير خانة جنسها حين قدومها، من فتاة إلى «خادمة». لا شيء يحد طبيعة عملها وخدمتها، ولا وقته، ولا قسوة العاملين عليه. الخادمة التي تجيء بعقد لغسل الأواني في المطبخ الصغير، فتتحول بقدرة قادر لغسل السيارات في الفناء الكبير.
هؤلاء الخادمات ــ الفتيات سابقا ــ موظفات، وفي بلدان خليجية، لكن لا يحلمن بقانون زيادة في الرواتب، كلما زادت السنون فيهم إمعانا وقسوة. ولا يحلمن بيوم إجازة من عناء الشهر، فضلا عن عناء الأسبوع. ولا يعرفن وقتا محددا للراحة اليومية، إلا حين ينام آخر طفل مدلل بعد كسر زجاجة، ورمي ملابسه بعشوائية. إن هذا يؤهلها للعمل كما تقول بعض التقارير لأكثر من ثماني عشرة ساعة يوميا. إنها زيادة على ذلك، لا تحلم بأجور الساعات الإضافية. لأنه بالأصل: لا تحديد لوقت عملها، لا ابتداء ولا انتهاء. ولذلك كل ساعات اليوم هي ساعات عمل. وقد تخصم منها ساعات النوم منة وكرما.
لنبتعد عن التفكير السلبي درجة أن صاحب عملها، قد يفكر باتخاذ إجراء احترازي كسحب وثيقة سفرها، أو قطع رواتبها لأكثر من 10 أشهر، أو سجنها في غرفة موصدة حين يخرج أهل البيت، كل ذلك من أجل ألا تفكر بالتنفس في أي منطقة خارج قبضته. لتصبح معاملة الخادمة هنا، كطائر متوحش ينتظر باب القفص أن يفتح، فيغادر فورا نحو أجواء طليقة. بعيدا عن إهانات صغار لم يحترفوا يوما أن يعاملوا الإنسان «الآخر» كإنسان، له مالهم وعليه ما عليهم، من حسن خطاب وتعبير وعدم تأفف ولا انتهار. في دراسة اجتماعية نشرت في 2008م خلصت هذه الدراسة، بعد مقابلة 86 عاملة منازل في بلدنا، إلى أن 36 منهن واجهن إساءات ترقى لدرجة العمل الجبري أو الاتجار بالأشخاص أو العمل في أوضاع تشبه الاسترقاق. هذا يقترب من النصف. ماذا عن أولئك اللاتي غيبهن صمت المجتمع القاتل.
وحتى لا نتحول لمجتمع «خرافي»، يسعى لاتهام الآخر الدخيل المتمثل هنا في فتاة/خادمة، بجلب السحر والأمراض والشعوذة والتفريق بين مؤمني هذا البلد الطاهر، ينبغي أن نكون نحن من يهبهم الطمأنينة والعزاء والسلوى عن رحيلهن الاحتياجي، تاركات أطفالا صغارا وآباء مسنين. ليعتنين بأطفال صغار آخرين وآباء كذلك. لا يمتون لهن بشيء سوى احتياجهن، والبحث عن لقمة لأولئك الذين تركن.
إن رقما قريبا من 16 مليار دولار في عام واحد يخرج من بلدنا إلى بلدان من يعملون هنا من عاملين وعاملات، يجب أن يكون محملا بصور شتى من التعامل القويم، وحفظ حقوق المستضعفين، والعناية بالغريب المحتاج.
إن على من يسعى لحوار الآخر في بلدانه، أن يتمثل أولا حسن معايشته في داره، الآخر كمحتاج أو ضيف أو عابر حياة. بعد ذلك سيتحول أكثر من مليوني خادمة، رسلا تبشير لهذا الحوار. وأكثر من ثمانية مليون عامل، مبشرين وحواريين لهذا التعايش الفريد.
johary67@gmail.com