أمير تاج السر
حين يتوقف ماركيز
أخيرا أعلن الكاتب الكولومبي الكبير، جابرييل جارسيا ماركيز عن اعتزاله الكتابة، تلك التي كانت غوايته الكبرى لسنوات طويلة، والاسترخاء في بيته في المكسيك بعيدا عن أجواء التوتر تلك. وبرر الروائي الذي كتب «مائة عام من العزلة»، و «خريف البطريرك»، و «الحب في زمن الكوليرا»، وغيرها من الروايات الناجحة وأيضا المنهزمة قرار اعتزاله، بأن الورقة البيضاء ما عادت تستجيب لشيخ في الثالثة والثمانين من عمره، وأنه قد يقضي أياما طويلة يطالع تلك الورقة في قلق، لكن لا حرف يتجرجر إليها، ولا أي توتر ينكتب، بالرغم من احتفاظه بصفاء ذاكرته حتى الآن.
ما أعلنه كاتب راسخ في الكتابة وجبل عصي مثل جارسيا ماركيز في الحقيقة، قرار صائب وجدير باحترامه، وعدم الإلحاح أو الركض نحو ذلك المبدع لجره إلى ذلك الطريق الوعر مرة أخرى، وتجربة مثل تجربته قدمت فتوتها وشبابها وشيخوختها أيضا، وتأثرت بها تجارب عديدة في جميع أنحاء العالم، من المفترض أن تظل تجربة سلسة ومتدفقة في أذهان القراء الذين طالعوها لسنوات طويلة بمختلف اللغات، ولا تجرحها تجربة الكتابة القسرية، أي الكتابة التي تأتي بناء على إرهاق الذهن وليس توقده، وأظن أن ماركيز قال ما عنده، كتب الرواية كما لم يكتبها أحد، كتب السيناريو والريبورتاج الصحافي والسيرة الإبداعية برهافة القلم ونظافة الحس، وكانت سيرته المعنونة (عشناها لنرويها) عملا إبداعيا متكاملا وسلسا إلى أقصى حد.
في المقابل، كان لذلك الهرم إخفاقاته أيضا، خاصة في تلك الروايات التي كتبها أخيرا، وما ارتقت إلى مستوى «مائة عام من العزلة» أو «الحب في زمن الكوليرا»، مثل تلك الرواية التي تأثر فيها بالرواية الصينية الشهيرة (الجميلات النائمات)، وكتبها بقلم غير ماركيزي، وخيال ليس ذلك الخيال الذي صنع مجتمع (ماكندو) الغريب. وما أظنها كانت ستترجم إلى اللغات المختلفة وتصلنا عربيا، لولا أن على غلافها اسم جارسيا ماركيز.
كثيرا ما تحدثت عن مرض الكتابة، وصعوبة الشفاء منه، وأنه مرض قد يرافق المصابين به حتى آخر العمر، بالرغم من أن بعض هؤلاء قد شفيوا مثل كاتبنا العظيم الراحل الطيب صالح، وأظن أن ماركيز كان من الذين وجدوا صعوبة في الشفاء، لكن يأتي قراره الأخير باعتزال الكتابة بمثابة محاولة للشفاء من ذلك المرض العضال.