أوراق ثقافية
أمير تاج السر
رواية التحري
لفت نظري زميلنا المترجم القدير عبد الودود العامري، إلى خلو أدبنا العربي من ما يعرف برواية التحري التي توجد بكثافة في الآداب الأخرى، ليس المقصود هنا الرواية البوليسية التي تبني على جريمة وطلاسم وحل نهائي، كما نلاحظ في أدب أجاثا كريستي الواسع الانتشار، لكن الرواية التي تتبع تاريخا معينا لأحداث معينة قد تغير وجه المستقبل، وضرب بذلك مثلا لرواية إنجليزية، تتبعت تاريخ كتابة القاموس الإنجليزي، وحفلت بكل الشروط المطلوبة لكتابة الرواية بما فيها الأحداث والشخوص وأيضا التشويق الذي يحتاجه القارئ ليتبع رواية ما.
ما ذكره العامري حقيقة، فالرواية العربية في أغلبها حتى الآن، تتبع تجارب الكاتب التي ربما يكون قد عاشها أو سمع بها أو قرأ عنها، واختمرت فكرة في ذهنه، وفي السنوات الأخيرة، أقمنا جسورا لا بأس بها مع التاريخ، وصار ذلك البعيد الغامض مادة في كتابتنا، ونتسابق في كتابته كل حسب ما يرى. هناك من يأخذ شخصية تاريخية معينة، يتتبع سيرتها ليعيد صياغتها من جديد، وهناك من يأخذ حدثا تاريخيا معينا، يبني عليه رواية من الخيال. وفي النهاية لا بد من شد القارئ ولفت انتباهه وتشويقه، ولا بد أيضا من الابتكار، حتى لا تسقط الكتابة في فخ التكرار والرتابة.
وفي مراجعة سريعة لحوادثنا العربية قديمها وحديثها، عثرت على أحداث كثيرة تصلح لاختيارها مادة لرواية التحري. لدينا علماء اكتشفوا دورة الدم، وعلم الفلك وسير النجوم قبل غيرهم، مصممون اهتدوا إلى فن عمارة إسلامي خاص، ومتفوق، وآخرون ساهموا في الارتقاء بتقنية الاتصال وكثيرون في مجالات عدة.
مأزق رواية التحري، هو أنها تحتاج إلى قرءات مكثفة، وتتبع صادق للحقيقة قبل ظهورها، أي منذ كانت فكرة في ذهن أحد. هي تحتاج إلى ثقافة لا يمكن اكتسابها بسرعة في عصر ضيق الوقت والمشاغل ولا يمكن للخيال أن يلعب دورا كبيرا، كما هو الحال في الرواية العادية، ما دامت هناك أحداث حقيقية، حدثت بالفعل وغيرت شيئا من وجه الحاضر الذي نعيشه. والكاتب اليوم مثله مثل أي إنسان آخر، يعاني من مشقة الحياة، ولا يستطيع التفرغ لكتابة مثل هذه الرواية.
أقترح أن تتبنى جهة ما مسألة مشروع كتابة رواية تحري عن مواضيع تحددها، وذلك في شكل مسابقة لها جوائز مرضية، وتجعل الكتاب يركضون إلى البحث في جذور تلك المواضيع، لتخرج إلى المكتبة العربية كتابة جديدة، وما فعله صديقنا العراقي علي بدر في روايته (حارس التبغ) مثلا، يصلح نواة لذلك النوع من الكتابة، حين جعل بطله يتحرى عن حياة موسيقار شهير، هي رواية من الخيال بلا شك، ولكن تشبه في صياغتها رواية التحري التي أقصدها.