د. محمد عبده يماني
د. القصيبي.. لا نريد ذهباً ولا فضة
قرأت تصريحات معالي أخي الدكتور غازي القصيبي وزير العمل حول قضية خطيرة تعاني منها الأمة وشباب الأمة، بل والناس جميعاً في المملكة، وهي قضية البطالة التي أصبحت تضرب مختلف القطاعات، من حملة الابتدائية وحتى الدكتوراه، شباب يتخرجون ويحملون شهادات ودرجات مختلفة ولا عمل لهم يقتاتون منه، في وقت تزيد فيه العمالة الأجنبية عن 7 ملايين أجنبي، وكلنا نحاول أن نبحث عن الحل، ونطالب وزير العمل بخطوات فاعلة، وسياسات تقودنا إلى مستقبل أفضل، ولنخفف من هذا البلاء الذي قد يقودنا إلى كوارث اجتماعية واقتصادية أكبر، ولهذا فأنا ممن تأثر كثيراً بتصريح الدكتور غازي: بأن الشباب يجب أن لا ينتظروا أن تمطر السماء ذهبا، أو بمعنى آخر وظائف حكومية، وخاصة عندما قال: «من ينتظر أن تمطر السماء بالوظائف الحكومية من الشباب السعودي العاطل عن العمل فإن انتظاره سيطول ولو عمل هؤلاء بإرادة قوية لما بقي واحد منهم عاطلاً عن العمل».
والحقيقة التي يجب أن نناقشها بكل أمانة وإخلاص هي أن هؤلاء الشباب ليسوا جميعا ممن يتطلع إلى وظائف في القطاع العام، بل إن بعضهم لا يحبذ العمل في القطاع العام، ولكنه لا يجد عملاً لا هنا ولا هناك، ورجال الأعمال يوظفون الآلاف في وظائف مختلفة، وبعضها بسيط لمجرد أن تكاليف هذه الوظائف منخفضة، والسعودي لا يستطيع أن يتقبل هذه الرواتب المنخفضة، لأنها لا تكفيه حتى في الحد الأدنى، وقد لا تغطي مشواره ذهاباً وإياباً للعمل.
ولهذا فهو يرغب في عمل غير العمل في القطاع العام، ولكنه يطلب أعمالاً مناسبة تتفق مع شهاداته، وأجوراً أدناها أن يعيش حياة كريمة.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يا معالي الدكتور، وقد قلتها لك في أكثر من مقال: إن رجال الأعمال ضاقوا بمستويات الشباب المتخرجين، وأن الكثيرين منهم لا يحسنون العمل، والبعض منهم لا يحترم العمل، والبعض غير مؤهل، وأن الدرجات التي يحملونها لا تعبر بالضرورة وبصدق عن إمكاناتهم، ثم إن الكثير من رجال الأعمال في أنحاء المملكة يشتكون من عدم جدية هؤلاء الشباب واحترامهم للعمل، وأنه شرف وليس مجرد ترف عابر، لأن رجل الأعمال يريد أن يستفيد من هذا العامل ويفيده ولهذا فالخلل يا معالي الوزير هو في مدى تأهيل هؤلاء التأهيل الصحيح الذي يتفق مع حاجات البلاد ومتطلبات الأسواق، لا أن تظل الجامعات تقذف بالآلاف في عناد إلى الشوارع بدرجات مختلفة لا حاجة لنا ولا لهم بها.
الحل أن نشمر عن سواعدنا بجدية وفاعلية وصدق لتغيير مناهجنا بصورة تجعل الشباب يحترمون العمل ويعتزون به ولا يقدمون عليه كمجرد رفاهية أو باب رزق يقتاتون منه بصرف النظر عن مصلحة الأطراف الأخرى وهم الشركات ورجال الأعمال، وبصرف النظر عما يتحقق للوطن من توفير يد عاملة وفنية تتحمل مسؤولية التنمية التي نمر بها والمستقبل الذي نتطلع إليه.
يا معالي الوزير.. هؤلاء لا يريدون ذهباً ولا فضة، وإنما يريدون عملاً شريفاً، والمشكلة والحل لا يبدآن من هنا، ولا من هذه اللحظات ولكن لابد من تكاتفنا جميعاً واعترافنا بالخطأ، وأنك وحدك لا تتحمل مسؤولية هذا العبء الذي ألقي عليك، وكما أنك تقول للشباب ألا يتوقعوا أن تمطر السماء وظائف كالذهب والفضة، فإنهم أيضاً يقولون لك ولمن يهتم بهذه القضية: لا تتوقع أن تمطر السماء شبابا يعمل بأي أجر وفي أي مكان حتى ولو لم يكن هذا الأجر يفي بالمتطلبات الأساسية.
إن لدينا يا معالي الوزير شباباً كتبت لكم عنهم تخرجوا من معاهد مهنية، وبعضهم من معاهد صحية متخصصة وفنية ولم يجدوا عملاً، والآلاف تخرجوا من الجامعات في الاقتصاد والإدارة العامة والعلوم المختلفة ولم يجدوا عملاً، ولن يجدوا عملاً، وبعضهم يحمل الماجستير والدكتوراه ولا يجد عملاً.
وهنا نأتي للسؤال المهم: اتركوا أمر السماء للسماء إن أمطرت ذهباً أو فضة أو أمطرت شباباً يهب نفسه للعمل التطوعي حتى ولو لم يجد ما يقتات منه ودعونا نتعاون لدراسة الواقع: يا معالي الوزير لقد امتحنك الله بهذا العمل، وأنت من الذين عانوا من قضايا الشباب، وأشهد أنك ممن يرغب في الوقوف إلى جانب هؤلاء الشباب والشابات ولكن الحل أمامنا يا معالي الوزير ونحن نتغافل عنه ونتحدث إلى وزير العمل مع أن القضية لا تخصه بمفرده، وكلنا نعلم أين الخطأ ونتجنب أن نصلحه أو حتى ننتقده.. ماذا نفعل يا معالي الوزير أمام هذه الملايين من العمالة الأجنبية التي تتسكع بين ظهرانينا ومعظمهم ليس لديه عمل، وتحول بلايين الريالات من دخولنا إلى بلادهم ونحن في صمت وصبر ولا نحرك أي ساكن، ونحن نعلم أيضاً أننا عطلنا نصف المجتمع الذي من الممكن لو استفدنا منه لغطينا أجزاء كبيرة من حاجاتنا ووفرنا أيدي عاملة على ضوء شريعتنا السمحة ووفق كتاب الله وسنته، وتعلم يا معالي الوزير أنا لو نظرنا بجدية وواقعية وعلمية إلى الرواتب التي تعرض على الشباب، وأنها في حاجة إلى معادلة صحيحة تضع حداً أدنى للأجور في مراحلها المختلفة، وهذا الحد الأدنى يعين الشباب على قبول العمل، ويسد حاجتهم حتى لو تحملناه لفترة من الزمن حتى يستقر الوضع، وقد تعددت إعانات الدولة في مختلف المجالات، وهذا لعمري من أهم المجالات التي تستحق أن نعين فيها، كعامل من عوامل مكافحة البطالة، وتوفير عمل كريم للشباب ودخول معقولة.
إنني أتحدث إليكم كمواطن يشعر بأن الوقت لم يعد في صالحنا بأي شكل من الأشكال، وأن الشباب والشابات في القرى والمدن يتطلعون إلى عمل مشرف يقتاتون منه وليس بالضرورة عملاً حكومياً، وهناك هموم أخرى يا معالي الدكتور تتمثل في تلك الأعداد التي تبلغ الآلاف من الذين تسربوا من الابتدائية والآلاف الذين تسربوا من الثانوية ممن لا يجدون عملاً قبل هذا العدد الذي نعاني منه من خريجي الجامعات.
فهل من نظرة جادة لا تتحمل فيها أنت المسؤولية بل يتحملها الجميع وفي مقدمتهم وزراء وعلماء وشيوخ يتحملون المسؤولية أمام الله، وقد يصدمون بالمستقبل لو سارت الأمور على هذا النحو.
لا أملك في ختام حديثي هذا إلا أن أقول اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولنضع سيرة المصطفى ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بين أيدينا ونسير على ذلك الهدي وكيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العاطلين وكيف أخذ بيدهم ودلهم على طريق العمل المشرف، ولك تقديري وأسرة الوزارة واحترامي، ولكنها كلمة حق أردت أن تصل إليك وإلى الرجال الذين يتنصلون من المسؤولية ويسعون إلى تبسيط المسألة مع أنها قضية خطيرة والله يشهد أنني إنما أردت الإخلاص ما استطعت.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.