أمهات
قرصتني ناموسة عنيدة جدا منذ بضع دقائق... بالتأكيد كانت أنثى، وتحديدا كانت أماً لأن ذكر الناموس «غلبان» ولا علاقة له بهذه الأنشطة المؤذية... وفي الواقع فمن الناحية العلمية لم تقرصني هذه المخلوقة الجبارة... والصحيح أنها حطت على جلدي برفق لدرجة أنني لم أشعر بها... وبصقت بعضاً من لعابها المؤذي على ذراعي لترطب موقع دخول منشاريها اللذين قطعا جلدي بأسلوب عنيف ليمكناها من الحصول على جرعة من دمي... وبالرغم أنها حصلت على كمية ضئيلة جدا من دمي... ما يعادل حوالي واحد على الثمانية آلاف من إجمالي الدم بداخلي، كانت وليمة هائلة بالنسبة لها، فقد شربت ما يعادل حوالي ثلاثة أمثال وزنها... وكنسبة وتناسب فهي كمن يشرب حوالي تسعمائة كاسة «سوبيا»... وكل هذا خلال ثوان معدودات... وكل هذا للحصول على جرعة غذائية مركزة لصغارها... وهذه من ملايين قصص كفاح الأمهات اليوم وكل يوم... وكلنا نعلم عن أهمية الأمهات بشكل عام، ولكن التفاصيل مهمة... لاحظ تغلب العموميات في تصوير القوة... القوة البدنية... قوة الشخصية... قوة الملاحظة... وبصراحة كل هذا في واد وقوة الأمومة في واد آخر... ولنرتقي بحديثنا من الأمهات الماكرة الخبيثة في عالم البعوض إلى أرقى وأعلى وأغلى الأمهات في عالمنا... وفضلا حاول أن تتأمل الحمل... وكلنا نفكر في أن أمهاتنا يتحملن الثقل الإضافي بداخلهن لمدة تسعة أشهر... وبصراحة هذه عموميات لا تظهر الصورة بشكلها الصحيح، ذلك لأن الحمل يحتوى على المآسي العجيبة التي تتحملها أمهاتنا... وفى الواقع فهو من أصعب أنواع التكوين لأن الله ـــ عز وجل ـــ يكوننا بإرادته لفترة حمل طويلة جدا نسبة إلى المخلوقات الأخرى، وفى الواقع فلا تحمل أية مخلوقة فترة أطول من الإنسان إلا ما ندر ومنها الفيلة التي تصل فترة حملها إلى ما يقارب السنتين... ولا يقتصر الحمل على الوزن الزائد فحسب، فهناك أيضا التغيرات الكيماوية الرهيبة في الجسد بأكمله... هرمونات تتصرف بجنون فتتطاير في الدم لتغير شكل الأم وتفاعلها مع السوائل بل وحتى مع الضوء والليل ومع الروائح المختلفة... والعلاقة بين الأم والجنين علاقة تتميز بالإعجاز لأنه جسم غريب عليها والطبيعي أن ترفضه... فلا مجاملات في منظومة الجسم الدفاعية... والجنين يكبر حجما بشكل عجيب لدرجة أنه يغير منظومة التنفس والغذاء والتخلص من الفضلات والحياة نفسها للأم... وهناك المزيد... فكل هذا في «كوم» والولادة نفسها في عالم آخر... تخيل مقدار الألم في خروج الجنين الضخم من جسم أمه... وأتحدى أن يتحمل معظم الرجال الأقوياء هذا الألم الشديد بخروج أي جسم بهذا الحجم من أجسامهم بأي طريقة كانت... علما بأن ألم الحمل والولادة يستمران لفترات طويلة... كل هذا وأكثر بكثير... تمر به أمهاتنا دون دراما زائدة... وبعد كل هذا يبدأ المشوار الصعب والطويل وهو التربية والرعاية
أمنيـــة
الأمهات هن نجوم القوة والبطولة في الكون اليوم وكل يوم فتضحياتهن لصغارهن بجميع أشكالهن وأحجامهن ومكانتهن تفوق التصور... أتمنى أن نعطى أمهاتنا الحب والاحترام والعرفان بالجميل الذي يستحققنه... وأهدي هذا المقال إلى جميع الأمهات وبالذات إلى والدتي التي ترقد على الفراش الأبيض خلال هذه الأيام... وحتى في مرضها الشديد تمنحني المزيد من القوة والإعجاب فأتمنى لها ولجميع الأمهات الصحة والسعادة والتقدير دائما....وسامحوني على الناموسة.
والله من وراء القصد.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة