عبدالله حسن العبدالباقي
السحر والشعوذة
لفت انتباهي خبر الشريط الإخباري لإحدى الفضائيات يذكر أن «السعودية تستعد لحملة أمنية على السحر والشعوذة» فأثار في مخيلتي سؤالاً يقول: كيف وصل بنا الحال نحن في هذا البلد إلى أن تصبح هذه الظاهرة في حاجة لحملة أمنية؟ وما الذي يجعل هذه الظاهرة منتشرة وتلقى قبولاً وتعاملاً لدى الناس؟.
وقبل محاولة الإجابة على تلك التساؤلات، يجب الاعتراف أولاً بأن ظاهرة انتشار وتفشي تقبل وتعامل المجتمع مع السحر والشعوذة في ازدياد مضطرد، الأمر الذي يثير قلقاً حقيقيّاً تجاه مقدار معافاة وتعقل هذا المجتمع، خصوصاً أن مجتمعنا مسلم ومحافظ بصورة عامة والمفترض أن الانسان المسلم يؤمن بالقدر خيره وشره، ومع ذلك هو يحاول مقاومة ذلك «القدر» عبر اللجوء للسحر والشعوذة للانفكاك من واقعه المؤلم. وبالتالي فإن هذه الظاهرة يجب أن تقرع أجراس كثيرة من أجل معالجة حقيقية لهذه الظاهرة التي يجب أن تدرس بشكل علمي يشارك فيه علماء الاجتماع والنفس والاقتصاد. في رأيي المتواضع في محاولة الإجابة على الأسباب التي تجعل الناس يتقبلون التعامل مع السحر والشعوذة هو فقدان الأمل أو ضبابية المستقبل , فرغم أن هناك فئة من الذين يصنعون الأحداث وغير فاقدي الأمل كبعض الرؤساء والوزراء والفنانين الذين يتعاملون مع السحر والشعوذة إلا أن هؤلاء لهم أسبابهم الخاصة المرتبطة بالحذر والحرص على البقاء في القمة والخوف من المجهول. لكن عامة الناس لا يملكون ذلك الترف وسنجد أن من يلجأون إلى السحر والشعوذة هم المحتاجون لحل مشاكلهم المستعصية على الحل.
سنجد أن من يلجأ إلى السحر والشعوذة هو إما شخص مريض لم يتوفر له العلاج المناسب، ولذا يلجأ للسحر والشعوذة من أجل أن يبرأ ولو توهماً، وإما شخص لديه مريض عزيز عليه ويسعى بكل ما يمتلك من أجل أن يشفى ذلك العزيز. ذلك أحد الأسباب بالطبع، لكن الذي يجب أن نستنتجه هنا أن وجود وزارة صحة ومستشفيات كافية وفعّالة توفر السرير للمريض وتقدم له العلاج المناسب سيساهم بالتأكيد في تقليص دور السحر والشعوذة.
أحد أهم الأسباب الأخرى لهذه الظاهرة هو الجهل المنتشر بصورة مخيفة ليس من خلال توفر التعليم بل من خلال معرفة العلاقة السببية «وجعلنا لكل شيء سبباً». فقدان بوصلة السببيّة هو ما يجعل الناس يلجأون إلى السحر والشعوذة وذاك لا يحدث إلا في مجتمع غير متعلم بالمعنى السببي للكلمة. وهنا يكمن الدور الذي على وزارة التربية والتعليم أن تلعبه في خلق بيئة تعليمية سليمة قائمة، على أن العلم هو دراسة الظواهر وأسبابها ونتائجها ومحاولة السيطرة عليها عبر الإختراعات والإبداعات التي لم يخل يوم من ورودها على الشاشات من خلال ابتكار لدواء جديد واكتشاف لمجرة جديدة واختراع لجهاز جديد يغير طريقة الحياة بكاملها كما يفعل الجوال بنا، التربية والتعليم عليها أن تخلق مدرسة للعلم تستطيع أن تبني مجتمعاً مسلماً مبدعاً ومخترعاً يرفع رأس المسلمين لا أن تخلق مدرسة للدروشة التي تمهد الطريق لتقبل السحر والشعوذة.
وسبب رئيسي آخر يجعل الناس البسطاء يلجأون إلى السحر والشعوذة ذاك هو وضعهم المعيشي الصعب وظروفهم الاقتصادية القاهرة، ولا غرابة أبداً أن تفشي ظاهرة الشعوذة والسحر يترافق مع تفشي البطالة في بلادنا. البطالة ذلك العنوان العريض الذي تتم مناقشته لعدة سنوات وقد كان بارزاً حتى أثناء الطفرة الاقتصادية الثانية، فما بالك باليوم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزمة. ويصبح هنا البحث عن حلول جادة للتدريب وإعادة التأهيل مسألة ضرورية من أجل توفير فرصة العمل للعاطلين الذين ليس لهم ذنب كونهم غير مؤهلين نتيجة للنظام التعليمي وطرق التدريب والتأهيل. إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تجعل من الإنسان الذي فقد الأمل في حل إشكالاته يهرول نحو السحر والشعوذة عله يلقى أملاً، و«الغرقان يتعلق بقشاية» رغم معرفته المسبقة أنها لا تنقذه. هنا يأتي دور وزارة العمل المسؤولة عن التوظيف والتدريب في أن تفرض حلولاً استراتيجية لهذه المعظلة من أجل الخروج من النفق، وتقديم الأمل للناس في وجود فرصة العمل والعيش الكريم الذي بدوره سيقلص بالتأكيد أولئك اللاجئين إلى السحر والشعوذة.
ومن تلك الأسباب، وضع الأسرة ولا أريد أقول فقط وضع المرأة الخاص والذي يمثل فعلاً «خصوصية شاذة» عن كل مجتمعات الأرض، بل أقول وضع الأسرة المختل يؤدي حتماً للبحث عن معجزات في الزواج والطلاق والاحتفاظ بالزوج وفي حل مشاكل المعلقات والأرامل والمطلقات، كل تلك القضايا مدعاة للبحث عن حلول خارج إطار القوانين وعبر السحر والشعوذة.
وهنا تكمن أهمية وجود قانون للأحوال الشخصية ينظم العلاقة الأسرية ويضع الحقوق في نصابها وينصف المرأة ويوفر لها حياة بديلة عما هي مضطرة للعيش فيها، وهذا سيقلص حتماً اللجوء للسحر والشعوذة.
في نهاية المطاف، ما نستطيع قوله ـــ من وجهة نظري طبعاً وقد يختلف معي البعض ـــ إن وجود مجتمع يوفر التعليم والصحة وفرصة العمل والعيش الكريم ويحصل على حقوقه الطبيعية، سيجعلنا بالتأكيد في غنى عن حملة أمنية لمواجهة السحر والشعوذة.
abumasar@hotmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 193 مسافة ثم الرسالة