استراتيجية إسرائيل المرحلية
يستغرب من يدخل على موقع صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية على الإنترنت من وجود مربع واضح في موقع بارز من الصفحة الرئيسية بداخله صورة لقبّة الصخرة وكتب تحته بالبنط العريض (خطّة إسرائيلية – سرّية – لمنع تقسيم القدس). وفحوى الموضوع أن إسرائيل تخطط منذ أيام الحكومة السابقة لإحاطة مدينة القدس القديمة بتسع حدائق وطنية ذات طابع توراتي، تربط بينها مسارات وأنفاق وقطارات معلّقة، وتتضمن نشاطات سياحية وأثرية يهودية متعددة، مما يستدعي ضرورة ترحيل آلاف السكان الفلسطينيين بسبب نزع الملكيات اللازمة للمشروع. ولم تضف الصحيفة أية تفاصيل جوهرية أخرى عن المشروع عدا أنه في طريقه للتنفيذ في القريب العاجل. ومصدر الاستغراب من نشر مثل هذا الخبر في هذا التوقيت بالذات يتمثل في أنه طالما أن المشروع – سري- فلماذا تنشره الصحيفة بهذا الشكل!؟ فهي ليست صحيفة عربية تكشف مخططات إسرائيلية معادية؟ وهي ليست عميلة للعرب لتحذرهم من مؤامرة عليهم في طريقها للتنفيذ؟ وهي ليست في بلد عربي يقول فيه السائق لركاب الحافلة وصلنا للمطار السري!؟ فما الداعي للنشر إذاً؟
يمكن لمن يتابع الأحداث أن يتبين بسهولة أن إسرائيل تمرّ هذه الأيام بفترة عصيبة نتيجة انعكاسات مجزرة غزّة على وجهها الذي لا تنقصه البشاعة أصلاً، مما مكّن الاتحاد الأوروبي وإدارة الرئيس أوباما من تكثيف الضغوط عليها لإعلان الالتزام الجدّي بحل الدولتين الذي تبنّاه في الأساس صديق إسرائيل الأعظم الرئيس بوش وتمسّك أوباما به من بعده. ولكن حديث بوش عن الدولتين، من وجهة النظر الإسرائيلية، يختلف عن حديث أوباما. فبوش حسب رأي (أكيفا إلدار) المحلل السياسي في جريدة هآرتس لم (يحظ) بلقب (صديق إسرائيل) اعتباطاً، ولكن لأنه كان يبيع (كلاماً) في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل، ولأنه كان يلتف على كافة الوثائق التي تفتقر لـ(الأسنان)، ولأنه علّم الإسرائيليين كيفية التصرف بوقاحة عند التعامل مع خارطة الطريق باعتبارها مهزلة كبرى تدعو للضحك. وحسب رأي نفس الكاتب فإن أوباما والاتحاد الأوروبي حين يدعون إلى محادثات الوضع النهائي وحل الدولتين هم يعنون ما يقولون، بل ويربطون تطوير علاقاتهم بإسرائيل بمدى استجابتها لضغوطهم. وهنا يتساءل الكاتب الإسرائيلي تساؤلاً استنكارياً على سبيل السخرية (من يظنوننا؟ أيظنوننا عرباً!؟).
ولذلك لا بد من النظر بعمق أكبر من مجرد ردود الأفعال تجاه ما يصدر عن الإسرائيليين من أقوال وأفعال في اتجاه التصعيد المستمر وكشف المزيد من النوايا الاستيطانية والتهديدات لمزيد من التهويد للقدس والضفّة الغربية. فهي إشارات لم تكف إسرائيل منذ إنشائها عن إطلاقها من وقت لآخر، ولكنها تتزايد وتتكاثف كلّما شعرت بجدّية الضغوط التي تتعرض لها من حلفائها الغربيين للتنازل عن الأرض مقابل السلام والعودة لحدود 1948م حسب مقررات الأمم المتحدة التي تفتقر (للأسنان).
وبتجميع تلك الإشارات التي يطلقها الإسرائيليون هذه الأيام يمكن تبين ملامح الخطّة الإسرائيلية المرحلية التي يرسمها الساسة الإسرائيليون لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة باتجاه الحل النهائي وفي مقدمتها ضغوط إدارة الرئيس أوباما التي يعتبرون مجرد وصولها للبيت الأبيض أحد (أكبر المخاطر) التي تواجه إسرائيل في هذه المرحلة. وفي تلك الخطّة يبدو أن إسرائيل قد عقدت العزم في السعي لتحقيق الغاية البعيدة والهدف الأسمى للدولة التي تصف نفسها بالعبرية، في تجاهل واضح لوجود الفلسطينيين، المتمثّل في عدم الرضوخ لأية ضغوط للقبول بحلّ الدولتين ووقف تهويد القدس العربية، وذلك بالتحرك على ثلاثة محاور واضحة أولها (قبول الدخول في مفاوضات) ولكن على طريقة (حوار الطرشان) مع مختلف الأطراف بما فيها الطرف الأمريكي من خلال فرق يقودها ويوجهها (ليبرمان) وزير الخارجية الذي يذهب في تطرفه حدّ العمل على طرد الفلسطينيين من خلف الخط الأخضر الذين يحملون الهوية الإسرائيلية وإعادة توطينهم قسراً مع فلسطينيي الضفة في الأردن، وثانيها يتمثل في العمل على حشد الرأي العام الغربي لرهن أي انفراج في القضية الفلسطينية بمدى تحقيق التحالف الغربي لنجاحات على جبهة تجريد إيران من قدراتها النووية، أما المحور الثالث فيتمثل في رفع ثمن الانسحاب (المادي والعاطفي) على من يحاول فرضه من الأطراف الدولية خاصة الطرف الأمريكي الذي يعلم الإسرائيليون مدى عجزه عن دفع الثمن الذي يرغبون في ضوء الأزمة المالية الخانقة من ناحية، وضيق مساحة المناورة للرئيس أوباما في التعامل مع الوضع الإسرائيلي خاصة عندما يصل حدّ المستويات (العاطفية) التي لا يقبلها غالبية الأمريكيين سواء على المستوى الشعبي أو المؤسساتي. وأقصد بذلك مشاهد الإسرائيليين على شاشات التلفزيون وهم يضربون الوجوه ويتصايحون عند الانسحاب إن تقرر، فيما ستعمل ماكينة الإعلام الصهيونية العالمية على إظهاره بمظهر (الهولوكوست) الجديد لترحيل مئات الآلاف من الإسرائيليين الأبرياء من مستوطنات يحمل لها آلاف الأمريكيين ذكريات خاصة لأيام حلوة وليال صيفية حالمة في معسكرات العمل الجماعي والأندية الليلية الممتعة..
ولذلك نرى هذه الأيام تحركات إسرائيلية نشطة على هذه المحاور الثلاثة التي يمكن أن تفسّر من خلال التمعّن بها مختلف الإشارات التي تصدر عن الجانب الإسرائيلي بدءا بتعيين (ليبرمان) كمحاور استراتيجي رئيسي مع إدارة أوباما، وانتهاء بالتسريبات عن تمارين إسرائيلية في جبل طارق لضرب إيران من الجو، مروراً فيما يبدو أنه كشف عن خطّة تهويد جديدة للقدس، وإعلان عن التمسك بالجولان لأهميته الاستراتيجية لإسرائيل، وانتهاء فيما يظهر وكأنه استفتاءات على درجة عالية من المصداقية لأساتذة جامعيين إسرائيليين يفيد بأن 54% من الإسرائيليين يعتبرون الضفة الغربية أرضاً إسرائيلية محررة ولا ينظرون إليها كأرض محتلة، وذلك رغم أن دراسات أكاديمية غربية عديدة تفيد بأن سكّان المستعمرات اليهودية في الضفّة يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة وأنهم يعيشون في الجحيم..
وهكذا هم الإسرائيليون على الدوام يتحركون وفق خطّة مرحلية على محاور متعددة تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة تتمثل في إبقاء الوضع على ما هو عليه أو الحصول على مزيد من المكاسب من مختلف المبادرات. ولذلك لا أرى أية بوادر انفراج تلوح في أفق المنطقة على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية. ولا أرى سبباً لقبول القيادة الإسرائيلية الحالية الحديث عن حل الدولتين إلا للظهور بمظهر المتجاوبين مع مبادرة الرئيس أوباما لامتصاص ما قد ينجم عن الرفض من غضب هم ليسوا بحاجة لمزيد منه حالياً، خاصة أن الرئيس أوباما قد زار تركيا في أولى زياراته للشرق الأوسط، واستضاف في البيت الأبيض ملكاً عربياً هو الملك عبدالله الثاني ملك الأردن قبل أن يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأعلن عن قرب زيارته لمصر دون أن يعلن التزاماً موازياً بزيارة إسرائيل. والإسرائيليون ليسوا سذجاً حتى لا يلتقطوا إشارات من هذا النوع، فوجودهم يقوم أصلاً على التيقظ الدائم لالتقاط الإشارات الصحيحة والتعامل معها وفق منهجية واضحة حتى لا يعرّضوا أنفسهم لأية مفاجآت.
Altawati@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة