إحياء التراث العمراني، وليس المحافظة عليه
في حوار ثقافي، يدلي فيه من استطاع بدلوه ويشارك بأفكاره وآرائه، كان حديثنا يدور حول التراث الاجتماعي والعمراني والمعماري. ولفت انتباهي أن هناك شبه إجماع من الحاضرين على فكرة قديمة/ جديدة، وهي ضرورة الحفاظ على التراث المادي الملموس للمجتمعات التي لها تراث غني مثل مجتمعنا، وخاصة التراث المتجسد في العمارة والعمران والمدن. كل ذلك ليس بجديد.
بالطبع يملأ التراث قلوبنا دائماً ونفوسنا بنسائم الماضي وعبق التاريخ، وبالطبع كلنا نعرف التعبيرات الشهيرة مثل «من ليس له ماض فليس له مستقبل» أو أن «المستقبل ماهو إلا امتداد للماضي وللحاضر» أو أن «الحاضر ماهو إلا همزة الوصل بين الماضي والمستقبل».. إلى آخر ذلك من تعبيرات تدل على الحنين إلى الماضي والشوق إلى أزمنة ولّت، وهي دليل على الانغماس في الرومانتيكية، أي الشوق إلى الماضي وإلى أزمنة و أماكن خارجة عن الواقع. وكل هذه التعبيرات نجدها في جميع اللغات، وفي كافة الثقافات، وهي إلى حد كبير صحيحة.
ولكن لابد أن تكون هناك مبررات مقبولة للحفاظ على التراث المعماري والعمراني. فليس صحيحاً أنه يجب الحفاظ على التراث المعماري لأسباب عاطفية بحتة ورومانتيكية مجردة، لمشاهدته فقط والتأمل فيه والاستمتاع برؤيته، وتفريغ الشحنة التي بداخلنا من حنين إلى الماضي وإلى عبق تاريخ الآباء والأجداد، بالرغم من شرعية هذه الأحاسيس وقيمتها العاطفية.
ويجب ألا ننسى أن هناك من ينظر إلى التراث المعماري، أو المباني أو المدن الأثرية، على أنها مجرد مبان قديمة لا قيمة لها، بقايا فترة من زمن الفقر والتخلف الاجتماعي والاقتصادي لا يجب التمسك بذكراها والحنين إليها بل التطلع إلى المستقبل الواعد وإلى هموم الحاضر ومشاكله وقضاياه. فقط بعد تلبية متطلبات الحاضر ومواجهة تحديات المستقبل، يقول هؤلاء، نستطيع حينئذ أن نعطي بعض الاهتمام إلى الزمان الذي مضى وإلى بقاياه التي لاتفيد إلا للذكرى والحنين.
لا نستطيع أن نصنف هذه الأفكار إلى صح وخطأ، فربما كانت جميعها تمثل وجهات نظر من زوايا مختلفة وتحت ظروف متباينة. ولكن الذي لابد من توضيحه هو أنه لكي نحافظ على التراث الملموس، بما في ذلك التراث العمراني والمعماري، فلا بد من عدم تجاهله أو إهماله كقطعة أثرية توضع في ركن من المتحف للتأمل والمشاهدة أو للزينة فقط.
بل يجب علينا أن نعترف بأن تراثنا المعماري والعمراني والاجتماعي هو إبداع أصيل اجتمع في تكوينه أهم عنصرين في حياة البشر، الزمان والمكان.
وبكل بساطة، لكي نحافظ على التراث، أي تراث، فيجب عدم تركه يموت أو يتوارى. كيف؟ المحافظة على التراث تستوجب إعادة إنعاشه، وإعادته إلى الحياه، ثم إعادة استخدامه واستغلاله والاستفادة منه بما يتناسب مع مكانته ووقاره ووقعه في نفوس من ينتمون إليه وإلى تاريخه.
لا يكفي أن نقوم بعمليات ترميم مكلفة، أو عمليات تجميل باهظة، ثم نقف بعيداً ونتفرج. فالعمران مثله مثل الإنسان، إن تُرك مهملاً وأُجبر على التقاعد فإنه يتآكل داخلياً وينزوي ويفقد قيمته، وبالتالي يفقد جذوة الحياة ويتحول من كائن منتج إلى عبء ثقيل على المجتمع.
كما أن مهمة المحافظة على التراث المعماري والعمراني الأصيل لأي مجتمع ليس واجب الأفراد والملاك لهذه الكنوز فقط، بل هو في المقام الأول واجب ومسؤولية الجهات المعنية مثل البلديات والأجهزة الرسمية المختصة بذلك.
وفي كثير من الدول المتقدمة التي تحترم تراثها هناك قوانين وتعليمات دقيقة تلزم وترشد المواطنين لأفضل الطرق للاعتناء به، مع وضع ميزانية عن طريق البلديات للصرف منها على إنعاش التراث العمراني والمعماري وإبقائه حياً والحفاظ عليه وتجديده وإعادة استغلاله.
فليس من الإنصاف مطالبة أصحاب هذا التراث المعماري بالصرف عليه من جيوبهم لإبقائه على قيد الحياة، بل على البلديات أن تعين هؤلاء الملاك وأن تصرف لهم من ميزانية خاصة سنوية ما يمكنّهم ويدفعهم للمحافظة على التراث والالتزام بالقوانين والإجراءات التي تنظم ذلك.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة