أفيـــــــاء
الحوار مع الذات
يكثر في أيامنا هذه الحديث عن الحوار وأهميته في القضاء على المشكلات وحل الخلافات بأسلوب سلمي وفعال. لكن الناس حين يتحدثون عن الحوار هم غالبا يقصدون الحوار مع الآخر، البعيد عن النفس خارج دائرة الذات، ونادرا يخطر ببالهم أن يكون الحوار مع الذات، رغم أن الخلاف مع الذات أشد أذى على المرء من الخلاف مع الآخر، فأنت حين تختلف مع غيرك بإمكانك، على أضعف الإيمان أن تفر منه متى عجزت عن التصالح معه، ولكن في حال خلافك مع ذاتك أين المفر؟ ولأن الهرب من الذات لا يمكن أن يتحقق، فإنه يضحي التصالح معها أمرا محتوما لمن أراد أن يعيش براحة، وهو تصالح لا يمكن أن يحدث دون الاستعانة بالحوار.
وأسباب الخلاف مع الذات كثيرة، كأن يصطرع الضمير مع المطامع، أو الدين مع الهوى، أو العقل مع القلب، وكل إنسان في هذه الحياة معرض من حين لآخر للوقوع في مثل هذه الخلافات مع ذاته وقد يتحول إلى فريسة تمزقه الرغبات ويتنازعه الاضطراب وقد يعتريه بسبب ذلك شيء من الضعف النفسي ويطبق عليه الهم والغم، وربما زاد عليه فأثر على سلوكه فأصابه البرود نحو عمله وأسرته وأصدقائه، وقد يتطرف حاله أكثر فيعم البرود كل شؤون حياته وربما نقم على ذاته فكرهها وعاداها. والناس وإن كانوا كلهم تقريبا لا يكاد أحد منهم يسلم في فترة من فترات حياته من الخلاف مع الذات والتعرض للوقوع في بعض المضايقات والمواقف العسرة التي قد تنتهي به إلى الوقوع في الخيبة والإخفاق، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم في أسلوب مواجهتهم لها، ويتوقف ثباتهم أو سقوطهم أمامها على كيفية تعاملهم معها، خاصة ما كان منها بالغ التعقيد عسر الحل. في بعض الأحيان يكون أسلوبنا في التعامل مع الأزمات النفسية، له أثر في زيادة حدة وقعها علينا أو الإقلال منه، فمن يحسن التعاطي مع أزماته النفسية قد يخرج منها بأقل ما يمكن من الخسائر، أما من يجهل كيف يتعاطى مع ما يقع فيه من أزمات فإنه قد لا يخرج منها أبدا، أو يخرج مهمشا بقايا إنسان، هذا إن لم ترده ميتا من الكمد. ولعل من أنجح أساليب التعامل مع الأزمات النفسية محاولة تحليلها وتفكيك أجزائها عن طريق الدخول في حوار مع الذات، فالحوار مع الذات يضيء الطريق ويحدد المعالم التي تقود للخروج من الأزمة، وهو خير معين على التصالح مع الذات والإقلال من لومها، فهو يمكننا من أن نعرف بالضبط ما الذي يضايقنا؟ أو يقلقنأ؟ أو يخيفنا؟ ولم هو كذلك؟ وهل كان في مقدورنا عمل شيء لتفادي وقوعه وقصرنا؟ وهل لدينا بدائل أفضل؟
وفي بعض الأحيان قد لا تكون معاناة الذات من مشكلة تحتاج حلا وإنما هي بسبب حزن عميق يتمدد في أنحاء النفس يشع فيها حسرة مؤلمة، إما لشعور بإهانة أو خيبة أو انهيار سريع مفاجئ لصرح عال من الآمال الطوال، أو غير ذلك مما يؤلم ولا حل له. في مثل هذه الحالات يكون الحديث مع الذات معينا على انتشالها من ظلمتها وعذابها، كما أن الحديث أحيانا قد يكون عبر الانغماس في قراءات شعرية أو قصصية، تصور مواقف مشابهة فتمتص القراءة كثيرا من الانفعالات المضطربة داخل الذات.
فاكس 4555382 - 01
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات
أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة