لقمة عيش مغموسة بالتراب
عندما وافق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- سنة 1423هـ وكان حينها ولياً للعهد على تحويل مصلحة معاشات التقاعد إلى مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة، استبشر المتقاعدون خيراً خاصة في ضوء التصريحات المطمئنة من وزير المالية، ومحافظ المؤسسة الجديدة. ففي معرض تعليقه على القرار صرح وزير المالية السعودي الدكتور إبراهيم العساف رئيس مجلس إدارة صندوق التقاعد لوسائل الإعلام بأن تحويل مصلحة معاشات التقاعد إلى مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة يأتي في إطار استمرار دعم الدولة لمصلحة معاشات التقاعد منذ إنشائها وتطويرها، مشيراً إلى أن هذا القرار سوف ينعكس إيجاباً على (تطوير الخدمات للمتقاعدين الذين يمثلون شريحة عريضة ومتزايدة من شرائح المجتمع السعودي الذين قدموا خدمات جليلة لهذا الوطن خلال سنوات طويلة وساهموا بجهودهم فيما شهدته المملكة من تطور وتقدم وازدهار في شتى مجالات الحياة). وأكد الدكتور العساف حينها بأن هذا التنظيم الجديد (سيمكّن من سرعة إنجاز البرامج التطويرية القائمة الاَن بما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمتقاعدين ليتمكنوا من الإسهام بجهودهم وخبراتهم في دفع عجلة التنمية في البلاد في مواقع أخرى من مواقع الواجب). ورحّب مدير عام مصلحة معاشات التقاعد بصدور قرار مجلس الوزراء رقم 277 في 30-12-1423هـ بتحويل مصلحة معاشات التقاعد إلى مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية لها استقلالها الإداري والمالي وبتجديد الثقة الملكية الغالية به كمحافظ للمؤسسة الجديدة واعتبره بداية انطلاقة جديدة نحو مستقبل أفضل لهذه الإدارة بعد أن مضى ما يقارب خمسين عاماً على إنشاء أول جهاز معني بشؤون التقاعد. كما رحّب بتخويل مجلس إدارة المؤسسة الجديدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤون المؤسسة وتطوير خدماتها التي من أهمها أن (أصبح المجلس صاحب الصلاحية في تحديد سياسة الاستثمار وخططها ومتابعة تنفيذها عن طريق لجنة يشكلها المجلس مما يزيد من فاعليته ومرونته، وهذا أعطى المؤسسة المرونة الكافية في اتخاذ القرارات المناسبة بما يمكنها من السعي لإنجاز برامج المؤسسة التطويرية سواء القائمة منها أو المستقبلية وبما يعود بالنفع على المتقاعدين والمستفيدين) – أما الناحية الرقابية على أعمال وقرارات المؤسسة فقد صرّح المحافظ بأن تنظيمها قد عني بجانب الرقابة على أموالها، وأنه بالإضافة إلى رقابة ديوان المراقبة هنالك لجنة للمراقبة أعضاؤها من غير موظفي المؤسسة، كما أن هناك مراقباً داخلياً ومراجعاً خارجياً.
وفي معرض الترويج لتحويل المصلحة إلى مؤسسة، شدّد مدير عام مصلحة التقاعد حينها على أنّه بصدد تنفيذ برامج مفيدة للمتقاعدين في مختلف أرجاء المملكة بدليل قيام المصلحة بشراء قطعة أرض استثمارية تبلغ مساحتها مليونين وسبعمائة ألف متر مربع في شمال جدة، طريق المدينة، أبحر الجنوبية بمبلغ / 922 / مليون ريال من مجموعة مستثمرين سعوديين. وأوضح أن مجلس إدارة المصلحة وافق على شراء الأرض (لإقامة مشروع استثماري كبير عليها مستقبلا مما يؤمل معه تحقيق عوائد مالية جيدة تدعم موارد صندوق التقاعد وسيكون بإذن الله معلما بارزا في محافظة جدة). كما أشارإلى أن هناك (ثمانية عشر موقعا استثماريا آخر لصندوق التقاعد في محافظة جدة يجري حاليا دراسة إقامة مشاريع استثمارية عليها).
وبعد ذلك أعلنت المؤسسة أنها بصدد السماح للمتقاعدين باستلام معاشاتهم من أي بنك قريب من مواقع سكنهم بدلاً من إجبارهم على التعامل مع البنك الواحد الذي كان يسومهم سوء العذاب. وألحقت المؤسسة إعلانها هذا بإعلان عن توفير قروض سكنية للمتقاعدين بالتعاون مع أحد البنوك. ثم سمعنا أن المؤسسة قامت بفتح مظاريف عطاءات المقاولين لإنشاء (عشرة أبراج) في مجمع الملك عبدالله المالي والاقتصادي المزمع إنشاؤه في الرياض. والكل يعلم أن أياً من هذه الوعود لم يتحقق، فالمتقاعدون مازالوا يجبرون على التعامل مع نفس البنك، وجدّة لم تشهد أي مشروع مميز في أي من المواقع (التسعة عشر) التي تملكها المؤسسة، بل أن حجزها عطّل مستثمرين آخرين من الاستفادة منها في مشاريع تطويرية تخدم المدينة وأهلها. أما القروض السكنية فقد كانت للمتقاعدين (دون سن الخامسة والخمسين !؟) وفوائد تمويلها تساوي قيمة القرض ذاته.
وليت المؤسسة اكتفت بذلك، ولكن كبار المسؤولين فيها تواروا عن الأنظار وقدّموا نائب رئيس المؤسسة ليعلن بصوت مسموع بأن المؤسسة رفعت إلى المقام السامي دراسة حول وجود مؤشرات خطيرة عن تدهور الوضع المالي. وأضاف بأن الاشتراكات أصبحت لا تغطي المعاشات التي تصرف لحساب (المتقاعدين العسكريين)، مما اضطر المؤسسة إلى صرف الاشتراكات من (حساب الاستثمارات). مؤكدا أن المؤسسة ستضطر أيضا إلى تسييل بعض الأصول، حيث أصبحت (المؤشرات خطيرة)، ولكنه استدرك لتطمين فئة المتقاعدين المدنيين التي قد ينتمي إليها قريباً بأن حسابهم (أكثر أمانا) في الوقت الحالي من العسكريين. هكذا وبكل بساطة ودون سابق إنذار يعلن نائب رئيس المؤسسة أن المتقاعد العسكري عليه ألا يثق بمؤسسة التقاعد وقدرتها على مساندته في عجزه من مدخراته لديها على مدى سنين خدمته. فهذا الإعلان المفاجئ عن أمر لم يخطر على بال بشر، لا أظن أنه من حقّ أي كان أن يميز بين متقاعد عسكري ومتقاعد مدني، فوزارة الداخلية تسجّل في بطاقات أحوالهم المدنية (موظف متقاعد) دون تمييز بين هذا أو ذاك، والاستقطاعات التي تؤخذ من مرتباتهم أثناء الخدمة تذهب لنفس المؤسسة ويتم (استثمارها) لحسابها أيضاً دون تمييز.
وكما تعلنون عن اعتزامكم رفع الأمر إلى مقام خادم الحرمين الشريفين عبر وسائل الإعلام، أظن أنه من حقّ المتقاعدين أن يرفعوا لمقامه السامي عبر وسائل الإعلام أيضاً رجاءهم باستجلاء أبعاد هذه القضيّة الغريبة والتعرف على المسؤولين عنها. فأموال المؤسسة هي استقطاعات من مرتبات هؤلاء المتقاعدين، والتصرف بها لحدّ الإفلاس يجب ألا يمرّ بسهولة وسلام دون محاسبة، خاصة أن ألفئة المهددة بالجوع هي ألفئة من الموظفين الذين يمكن أن توصف لقمة عيشهم بأنها (مغموسة بالتراب). وهي مغموسة بالتراب فعلاً وبالمعنى الحرفي للكلمة. فمن يرابط في (مشاش الطيار) و (الرقعي) و (نقرة) و (نقيرة) و (شرورة) وغيرها من مواقع الشرف للدفاع عن أرض الوطن سواء كان من الجيش، أو الحرس الوطني، أو حرس الحدود، يأكل لقمته في الميدان مغموسة بالتراب. هذا التراب الذي يختبئ المدني من غباره إذا هاج ببيته أو مكتبه أو سيارته، يواجهه العسكري بوجهه وأنفه وكامل جسده حماية لوطنه. وبعد كل هذا يأتي شخص ما في مكان ما ويهدده بوقف معاشه، هكذا وبكل بساطة وبدون أي تحفظ أو حياء.
وموقف المؤسسة من المتقاعدين العسكريين ليس بجديد، فقد سبق أن استصدرت أمراً بحرمانهم من بدل إجازاتهم التي تتجمع نتيجة المرابطة وظروف العمل ومساواتهم بالمدنيين من حيث الحصول على بدل ثلاثة أشهر فقط وما زاد عن ذلك يعتبر في حكم غير الموجود بغض النظر عن أية اعتبارات عملية أو حرب أو مرابطة..
ولكن ليعلم القائمون على المؤسسة وليعلم الجميع بأن قيادة هذه البلاد هي أعرف الناس بالعسكريين بحكم الاحتكاك اليومي وبحكم المسؤولية المباشرة. وبالتالي فإن قيادة كهذه وعلى هذا القدر من الرفعة والإحساس بالمسؤولية لا يمكن أن تسمح بالإضرار بالمواطنين بصفة عامة ولا بفئة المتقاعدين من العسكريين على وجه الخصوص. تلك ألفئة التي لا تتمتع في الغالب بأية مهارات أو (صفات) مدنيّة، وتعيش الغالبية العظمى منها على حدّ الكفاف في خريف العمر. وللإخوة المسؤولين في المؤسسة العامة لمعاشات التقاعد ولكافة المسؤولين في مختلف أجهزة الدولة أقول إن على كل من يتصدى للشأن العام مسؤولية كبيرة في توخي الحذر ومراقبة ما يقول حتى لا يسيء لفئات عزيزة من المواطنين ويتسبب في شعورهم بالدونية وفقدان الأمن المعيشي، في وطن غمر خيره الجميع، ومن المؤكد أنه لن يخذل أبناءه تحت أي ظرف من الظروف..
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة