محمد بن علي الهرفي
اللغة والهوية الوطنية
استمعت إلى الكلمة التي ألقاها السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية في مؤتمر القمة الأخير في قطر فلفت انتباهي حديثه عن أهمية اللغة العربية ووجوب العناية بها باعتبارها تعبر عن هوية الأمة العربية، فحمدت له هذا القول لأنني أوافقه على مكانة اللغة وأهميتها لكل عربي.
ثم استمعت بعد ذلك إلى الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في الكنيست بمناسبة توليه رئاسة الوزارة، فلفت انتباهي تباهيه بقومه وقوله: إنهم أمة الكتاب، وإن الطلاب الصهاينة يعدون في المرتبة العاشرة بين طلاب العالم، وإنهم جميعا يفخرون بلغتهم.
حمدت له هذا القول؛ فمن حقه أن يفخر بلغته لأنه يدرك أهميتها بالنسبة له ولكل اليهود في العالم، وقلت: ليتنا نفعل كما فعلوا!
لماذا يهتم اليهود بلغتهم؟ ولماذا تفاخر كل أمة بلغتها؟ ولماذا نحن أمة العرب نشعر بالخزي من لغتنا مع أنها أعظم اللغات؟ اللغة العبرية لغة ميتة، ولم يكن لها وجود على الإطلاق قبل قيام الدولة الصهيونية، لكن الصهاينة أدركوا أنهم لا شيء دون لغتهم، وكانوا يقولون: إن الرب يتحدث باللغة العبرية فهي حسب اعتقادهم لغة مقدسة، أحيوا هذه اللغة الميتة على قلة عددهم، وجعلوها لغة التعليم في جامعاتهم، وأنفقوا الكثير لكي يترجموا كل العلوم التي يحتاجونها إلى لغتهم، ولم يتجهوا إلى لغة أخرى لكي تكون بديلا عن لغتهم، وهذا الموقف جعلهم يرتبطون بهويتهم القومية والدينية، كما جعلهم يبدعون في علومهم بكل أنواعها ويتقدمون على كثير من سواهم.
الذي أعرفه أن كل أمم الأرض تتحدث بلغاتها، وتعلم أبناءها بهذه اللغة، إلا الأمة العربية فهي وحدها التي لا تفعل ذلك، والذي أرجحه أن هذا هو سبب ضعفها وتخلفها في سائر العلوم، بل وارتباط بعض أبنائها بثقافة الغرب والتبعية له في بعض الأحيان.
أليس من المستغرب أن تجعل معظم جامعاتنا العربية اللغة الانجليزية هي لغة التدريس الأساسية في معظم كلياتها؟ أليس من السذاجة أن يقال: إن السبب في ذلك عدم توفر المراجع باللغة العربية، وأن معرفة أبنائنا باللغة الانجليزية من أهم أهداف التعليم.؟
لماذا العرب وحدهم يقولون ذلك؟ لماذا لم نسمع أن أي دولة مهما قل عدد أبنائها، وصعبت لغتها، وقلت إمكاناتها المادية تطرح مثل تلك الحجج الواهية لاستخدام لغة تعليمية غير لغتهم الأصلية؟
يستطيع أبناؤنا أن يتعلموا أي لغة تصلح لهم، سواء أكانت الانجليزية أم سواها وأنا أشجع كثيرا على ذلك ولكن على أن لا تكون تلك اللغة هي الأساس ولغتهم الأم ثانوية لا قيمة لها عندهم.
من واجب كل الجامعات أن تقوم بواجبها في ترجمة كل الكتب العلمية التي يحتاجها الطلبة في الجامعات وتقدم لهم بلغتهم، وهذا ما تفعله كل دول العالم، وبمثل ذلك حققت النجاح.
وأعرف مثل غيري أن أبناءنا الذين يدرسون بغير لغتهم يقضون معظم أوقاتهم مع القواميس، وأنهم لا يكادون يفهمون ما يقوله أساتذتهم أثناء شرح المواد، وأن منهم من يفشل في مواصلة دراسته بسبب صعوبة اللغة وعدم تفاعله معها.
ومصيبتنا في بلادنا لا تتوقف عند حدود الجامعات بل تعدتها إلى المدارس، فبعض الدول العربية تعلم الصغار بغير لغتهم، فينشأ هؤلاء غريبون على ثقافتهم لا يكادون يعرفون منها شيئا، وكل مرتبط بثقافة البلد الذي درس لغته، والابتعاد عن الثقافة ابتعاد عن الدين وعن الهوية وعن الانتماء الوطني الحقيقي، ولك أن تتخيل ماذا سيحصل لبلد أبناؤه أبعد شيء عنه؟
وتكبر المأساة في دول تجعل اللغة الانجليزية هي الأساس في مكاتباتها وفي شركاتها، وفي عقودها الداخلية بين أبنائها مهما صغر حجم هذه العقود مثل عقد استئجار منزل مثلا وكأن لغتهم تعجز عن استيعاب هذه المسائل، ولعل الذي يفعل ذلك يخفى عليه أنه يوجه رسائل مباشرة لأبناء بلده بأن ثقافته لا قيمة لها أمام الثقافات الأخرى... وهنا هل سيخدم هؤلاء الأبناء بلدهم بكل ما فيه وهم يوقنون أنه متخلف حتى في أبسط الأشياء!
أما الفنادق مثلاـــ فحدث عنها ولا حرج، فكل العاملين فيها لا يتكلمون بلغتهم، وجرب أن تتصل بفندق في أي مكان في بلادنا فتستمع إلى محدثك وهو يجيبك بغير لغته ولغتك؟ أي مصلحة في ذلك؟! هل رأيتم أي دولة في العالم تفعل مثل ما نفعل في كل بلادنا العربية؟
ثم التفت إلى اللوحات التي تملأ الشوارع فسترى أن الانجليزية غالبا هي المتصدرة وكأن كل فرد في المجتمع لا يعرف إلا هذه اللغة، ثم التفت إلى اللوحات المماثلة في أي بلد في العالم فهل سترى كلمة عربية على لوحاتهم؟!
هل الأجانب هم الغالبية العظمى في بلادنا العربية؟ لا بكل تأكيد، وهل العرب ليس لهم وجود في أي بلد أجنبي؟! لا أيضا فهم موجودن، فلماذا لا يلتفت إليهم أهالي تلك البلاد ويرون أن من واجبهم معرفة لغة البلد التي يعيشون فيها ولماذا لا نفعل الشيء نفسه؟
إنني أعتقد أن واجبنا الديني والوطني أن نجعل ارتباطنا بلغتنا في أفضل حالاته، وأن نجعل هذه اللغة هي الأساس في كل المراحل التعليمية، وفي سائر تعاملاتنا اليومية.
علينا أن ندرك أن اللغة ليست وعاءً للحديث فقط بل هي منهج الحياة بأكمله لكل واحد منا؛ هي التي تربطه بدينه وثقافته وعاداته وتراثه العلمي كله فإذا فقد لغته فقد ذلك كله، وبقدر ضعفها في نفسه بقدر ضعف ذلك في حياته إنه ليس شيء أخطر على الأمم وأسرع لسقوطها من خذلان أبنائها للسانها، ورغبتهم في ألسنة الآخرين؟!
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 213 مسافة ثم الرسالة