المقاولات.. صناعة
صناعة المقاولات في بلادنا تحتاج إلى شيء من إعادة النظر، والكثير من التنظيم. فالمقاول السعودي يواجه اليوم منافسة حادة من أصحاب المؤسسات من المقاولين الوافدين الذين يحصلون على رخصة استثمار من الهيئة العامة للاستثمار بموجب نظام الاستثمار الأجنبي، كما أنه يواجه منافسة قوية من شركات مقاولات محلية ورقية، أي سجل اسمها على الورق فقط، وهذه تصل إلى أكثر من مائتي ألف شركة. أيضاً هناك لدينا شركات مقاولات أخرى معتمدة ولكنها صغيرة ولا خبرة لها أو كفاءة في أعمال الإنشاءات، ومسجلة ومصنفة ويحق لها التقدم للحصول على مشاريع عمرانية تصل قيمتها إلى عشرات بل ومئات الملايين من الريالات.
وهناك العديد من المواطنين الذين عانوا الأمرين من تعاملهم مع مثل هذه الشركات، ظناً منهم أنهم سوف يستطيعون توفير بعض المال فخسروا ما خلفهم وما أمامهم حتى دون أن يكتمل مشروعهم، وتورطوا في قضايا ومشاكل لا نهاية لها.
ولكن الخاسر الأول من سوء التنظيم لصناعة المقاولات هو المشاريع الحكومية بمختلف أحجامها، مما ينتج عنه هدر كبير للمال العام. فهناك أعداد هائلة من مشاريع حكومية هامة ومكلفة تطرح في مناقصة عامة ويشترك بها الكثير من شركات المقاولات المحلية المصنفة، ومنها بعض هذه الشركات الورقية التي قد لا يكون لها وجود حقيقي سوى الاسم والعنوان ورقم الهاتف والفاكس فقط.
وكثيراً ما يحدث أن تفوز إحدى هذه الشركات المحلية، التي هي إما ورقية ( أي لا وجود حقيقي لها) أو مبتدئة لا خبرة لها وغير كفؤة أو مؤهلة، بمشروع حكومي كبير تصل تكلفته إلى عشرات أو مئات الملايين من الريالات.
الشيء الطبيعي عند حدوث ذلك أن تقوم الشركات الورقية أو الصغيرة التي تفتقد إلى الخبرة والكفاءة ببيع المشاريع التي حصلت عليها إلى شركات أخرى، والاكتفاء بالحصول على عمولة دسمة من وراء ذلك. وفي حالات نادرة تقوم هذه الشركات الصغيرة بالتضامن ( اسمياً ) مع شركات أخرى متواضعة لإنجاز المشروع، والاكتفاء بنسبة من الأرباح فقط مع عدم تحمل أي نسبة من الخسائر.
ونظراً لأن الشركات التي أعطي لها المشروع «من الباطن» لابد وأن تكون شركات متواضعة في إمكانياتها وغير مكلفة إدارياً وفنياً ومصاريفها ضئيلة لكي تستطيع تحقيق أكبر عائد من الربح الممكن، تكون النتيجة أن تتعطل المشاريع ويتأخر تنفيذها لأشهر وأعوام، وإن نفّذت فيتم تنفيذها بصورة سيئة لا تليق بأصول المهنة، مع مخالفة كل الشروط الهندسية والمهنية والمواصفات المتعاقد عليها.
هذا في الواقع هو أحد أسباب كثرة القضايا بين المقاولين والملاك من المواطنين أمام لجان التحكيم، وبين بعض شركات المقاولات والأجهزة الحكومية أمام ديوان المظالم. ولا يمكن أن تختفي هذه القضايا أو الحد من كثرتها إلا بتنظيم مدروس لصناعة المقاولات، وتحويلها إلى مهنة معترف بها لا يحترفها إلا من تخصص وتأهل فيها علمياً وعملياً.
في كثير من البلاد المتقدمة في مجالات البناء والمقاولات والتطوير العمراني والمعماري يُفرض أن يكون المالك أو المؤسس لشركة المقاولات مهندساً مدنياً أو معمارياً أو إنشائياً متخصصاً لديه خبرة جيدة في صناعة البناء والتطوير وأعمال المقاولات. فلا يكفي أن يكون صاحب شركة المقاولات أي شخص طبيعي أو اعتباري لديه مبلغ من المال يرغب في استثماره في هذه الصناعة الحساسة ذات الأبعاد.
نحن نعيش في عصر التخصصات المهنية، وعدم ترك مثل هذه الأمور الهامة للأهواء والعشوائية والجري وراء وهم الأرباح والثروة.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة