نجيب عصام يماني
دعوة الفيصل
للأمير خالد الفيصل وقفات وكل وقفة لها معنى تصب في مصلحة الوطن للمحافظة على مكتسباته، له رؤية عميقة في دروب الحياة المختلفة، وقف ضد الإرهاب وفضح المنهج الخفي وحذّر من التخديريين والصحويين، لن تنساه عسير أميراً ومفكّراً وشاعراً وفنّاناً وأديباً وبما أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً فكافأه باحتضان مكة المكرمة له أميراً، فكانت له بصمات في الحج والعمرة والتنمية والثقافة والعشوائيات وإدارة الزمان والمكان.
سعدنا بوقفته في جامعة المؤسس مؤكّداً على ضرورة الوسطية وأنها الأساس لحياة أفضل وعيش أكرم وأن الاعتدال كمنهج وفكر هو مطلب شرعي وديني قامت عليه هذه الدولة منذ التأسيس فهو ضماننا الأوحد للعيش بأمن وسلام ورخاء وأن الوسطية والاعتدال مخلوق في صلب ديننا الإسلامي موجود في جيناته، أتى بها نبي الرحمة فهي اختيار الله لنا كتبها علينا كمسلمين. ويوم ان انبعث أشقانا ليشطط بنا عن هذا المنهج ويحوّلنا إلى التشدّد والتنطّع والغلو والأخذ بالأشد والأصعب ونهمل الأسهل والأوسط ونختار من الأقوال أشدّها فتغير تعاملنا مع الآخر وكرهناه وكفرنا كل مخالف وبّدعناه وحاربنا صاحب كل رأي لا يتوافق مع رُؤانا وأقصيناه عندئذ غيّر الله أحوالنا وسلّط علينا خوارج العصر فعاثوا في بلادنا قتلاً وتفجيراً وفساداً وباسم الإسلام أساؤوا إلينا في عيون الدنيا وجعلونا أضحوكة بين الأمم ومضغة في أفواههم.
أساس وسطيتنا والتي نادى بها الفيصل قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }، فنحن كأمة مسلمة لا بد أن نكون أمة وسطاً لا إفراط ولا تفريط فهي الدواء الناجع لكل مصائبنا وأساس لأي تقدّم نريده وأي تنمية نحلم بها، وهي تحمي المجتمع بكل أطيافه من شرور المفسدين والمتنطّعين والناظرين إليه نظرة سوء وشك وريبة، كل الفرق الإسلامية الضالة والتي خرجت عن جادة الحق أساس دائها الغلو والتنطّع والتزمّت ومحاربة كل فكر لا يوافق فكرها. نظر الفيصل ببصيرة ثاقبة إلى الخوارج ومن أتى بعدهم من الفرق فوجد أن فكرهم أساسه الغلو والابتعاد عن روح الإسلام السمحة والجهل والهوى والعاطفة وتغليبها على العقل والابتداع في الدين وحمل العادة على أنها عبادة واتباع النفس والكذب على الله ورسوله وعبادة الأشخاص وتعظيمهم لتمرير أجندتهم الخاصة والتي تتوافق وأهواءهم المريضة. لا فكر يعلو على فكرهم لا ينظرون إلى سلاسة هذا الدين وأنه يتوافق مع كل زمان ومكان وأنه يتشكّل حسب ما يوافق المصلحة وييسّر على المسلم حياته ومعاشه. لقد أصابنا الغلو في مقتل وطرحنا التشدّد أرضاً وعشنا زمناً ساده العنف والدم والتكفير، خطفوا مؤسسات الوطن وتغلغلوا في مناهجه ومساجده ومدارسه حتّى أحالوا مجتمعنا الآمن إلى مجتمع خائف يترقّب وكانت خطورة غلوّهم أنهم فرضوا ما يريدون بالقوة وباسم الدين تعصبهم حجب أبصارهم عن الحقيقة. إنها ظاهرة مريضة مقيتة يقول عنها نبي الرحمة محذّراً: « إيّاكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين «، فكانت دعوة الفيصل باتباع منهج الوسطية والاعتدال حتّى لا نهلك ونتفرّق ونضيع بين الأمم، في وقفته الجادة كان لسان حاله يردّد قوله عليه الصلاة والسلام « هلك المتنطّعون « قبل أن يهلكونا، فنبي الرحمة يقول إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد إلاّ غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا، ومن هنا بشّرنا الفيصل أن الوسطية هي طريقنا الأفضل لحياة أكرم نعيش ونتعايش ونعلو فوق هام السحب ونفخر بالوطن والانتماء إليه ونتفرّغ لتنمية الوطن وعمارته موجّهين جهودنا وأموالنا لصالحه وصالح أبنائه، ولنغيّر تلك الصورة القاتمة التي رسمها لنا التشدّد في عيون الآخرين فالتطرّف أقرب إلى المهلكة والخطر وأبعد عن الحماية والأمان. فالإرهاب في كل صوره سواء كان فردياً أم جماعياً أساسه التطرّف والغلو والأخذ بالرأي الواحد وتحكيمه، والوسطية التي خطفها المتشدّدون بل وألغوها من قاموسنا الوطني هي من خصائص الإسلام ومزاياه وهي لصيقة بالمسلم الحق فرسولنا ما كان يُخيّر بين أمرين إلاّ واختار أيسرهما. يجب أن نفعّل دعوة الفيصل ونتكاتف جميعاً لإظهارها فهذا الدين متين فيجب أن نوغل فيه برفق، وأحب الدين إلى الله الحنيفة السمحة، وليست المُشوَّهة بالتشدُّد والغُلو والرأي الأوحد وعبادة الأشخاص.
يجب علينا لكي نبقى ونرتقي وننظر إلى مستقبلنا ونكمل المسيرة أن نحارب كل فكر متشدّد ضال وأن تكون الوسطية والاعتدال هي المنهج الذي نسير عليه، ونحترم بعضنا البعض ولا نحقّر الآخرين ولا نفرض عليهم ما نراه من وجهة نظرنا صالحاً بالقوة، وأن نعامل المرأة باحترام ونعطيها حقّها الذي فرضه الله، دون تشدّد وغُلو وتنطّع ولا نأخذ بغريب الحديث وضعيفه ونحكمه في رقبة الوطن ومصيره. هذه فرصة لنا أتى بها الفيصل فهو صاحب نظرة عميقة وثقافة عالية وخبرة طويلة ويكفي ما لاقيناه من جهيمان والصحوة والإرهاب فأساس فكرهما التشدّد والتنطّع والغُلو، وحفظ الله الوطن بقيادته وشعبه وترابه. يقول الفيصل في كلمة له عام 1425هـ سعوديون شيوخ وشباب لا يزعزعنا إرهاب ولا يخيفنا تصريح وخطاب أو فتوى ضال في السجن يستتاب نحن أمة نذرنا أنفسنا للدعوة خدعنا بعض الوقت بغفوة واستيقظنا على التفجير بصحوة لا غفوة بعد اليوم ولا صحوة إلا بالعلم والعقل والإيمان والإيمان أساسه الوسطية والاعتدال.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 148 مسافة ثم الرسالة