حراك
ياسر العمرو
حمى الثراء
بين النضج والهوس فرق شاسع، وتجارب الحياة تعلم وتقرص ـ أحيانا ـ البشر في أثر تراكمي يقود إلى النضج والتعلم في معرفة السلبي من الإيجابي أثناء سيرنا في معترك الحياة وتقلباتها.
أن تكون حالما متخيلا تواقا؛ أمر جميل وحق مشروع إن ارتبط بخطوات عملية تقضي على التقلب في بحر الخيال وتحوله إلى واقع ملموس مبني على معطيات الزمان والمكان، وهنا مربط الفرس.
ثم أما بعد:
حاولت أن أجد تفسيرا مقنعا في تعلق البعض بقشة الثراء والمال وإن كانت عابرة في «سم الخياط» داخل مكائن الخياطة، إذ كشفت الأيام الماضية عن تحول حالمي الثراء إلى خبراء مكائن يرشدون إلى أدق التفاصيل والإجراءات الدالة على فاعلية المكينة في الإرشاد إلى مناجم الذهب وكنوز الأرض، ولاقت الشائعات مناخا خصبا لترويج المتكدس في مستودعات التخزين، وارتفاع سهم «سنجر» في أيام معدودات من المئات إلى عشرات الألوف.
لم أصدق ماروي لي.. وقادني الفضول إلى التجول في الحراج لأكتشف حقيقة الهوس، وقابليتنا لتصديق أي محفز للثراء وإن خالف قناعاتنا، فلا صوت يعلو فوق صوت المكائن وكأننا نعشق أفاعي ذلك الجحر الذي حذر الأثر من لدغنا منه مرتين، فتبلد إحساسنا جراء اللدغ المتواصل عشرات المرات.
هل تذكرون ثورة الأسهم والتداول، وانكباب الناس وتصديقهم لكل خرافة قيلت آنذاك، حتى العجوز في قعر بيتها أصبحت تحلل وتتداول وتنصح، وارتفع مؤشر القروض البنكية للأفراد الذين ضخوا أخضرهم ويابسهم في السوق، فضلا عن من قدم استقالته من عمله وأصبح دوامه في صالة التداول... ليكتشفوا بعد ذلك أن حمى الثراء كانت معدية لم يؤثر فيها إلا المضاد الحيوي في انهيار فبراير الشهير، ويرتفع صوت المطالبات بعدها بعدما تبدد حلم الثراء و «ما أحد ضربكم على إيديكم».
توقع جمع المراقبين أن ثورة الأسهم وانتكاستها ورثت المجتمع نضجا شعاره التأني، لكنها غمة سادت وجاءت من بعدها ثورة هوامير سوا والمساهمات العقارية، والأرباح الفلكية التي روج لها السماسرة، ولتجتاح حمى الثراء من جديد مجتمعنا ويقع ضحيتها المئات، ممن لم يستفيدوا من لدغة سوق الأسهم.
والآن أصبح السر في مكائن الخياطة وزئبقها الأحمر، لتتكرر ذات الإسطوانة بين مستفيد وخاسر، وكأن عقولنا غدت اسفجنا يمتص من كل ساكب... والله أعلم ماذا تحمل لنا الحمى في مقبل الأيام من أعراض جديدة.
صدق الشاعر أبو الطيب:
«إذا ساءت فعال المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم»
yalamro@hotmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات
أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 128 مسافة ثم الرسالة