غازي عبداللطيف جمجوم
نفق أبحر أفضل من جسر أبحر
يبدو أن أمانة مدينة جدة مترددة بين إنشاء جسر يعبر خليج أبحر وإنشاء نفق تحته. وإذا كان الأمر كذلك فأرجو أن تحسم الأمانة الأمر لصالح النفق للأسباب التي أوضحها فيما يلي.
كان الحديث منصبا منذ البداية حول مشروع إنشاء جسر أبحر ولم ترد فكرة النفق إلا مؤخرا. وتم تقدير تكلفة الجسر المبدئية بـ 90 مليون ريال ثم ارتفع الرقم مؤخرا ليصل إلى 350 مليون ريال . وكنت من المعارضين لإنشاء الجسر لأسباب كتبت عنها سابقا أهمها أضراره البيئية والجمالية وعدم وجود حاجة ماسة له لوجود عدة طرق جيدة تخدم الجانب الشمالي ، ولأنه سيزيد الازدحام المروري والتلوث في مناطق ترفيهية تغص بالمتنزهين ولا تتحمل المزيد من الازدحام. ويبدو أنه تم تأجيل مشروع الجسر مؤقتا لصالح بناء عدة جسور على تقاطعات هامة في جدة، وأعتقد أن ذلك كان قرارا صائبا حيث إن الجسور التي تم إنشاؤها ستخدم حركة المرور في جدة خدمة جيدة وستكون أكثر فائدة للمواطنين من جسر أبحر. لاحقا عاد الحديث عن بناء الجسر ، مما يدل على أن عبور خليج أبحر مشروع قادم لا محالة. وأعترف أن هذا المشروع كان يجد ، بالإضافة إلى الأمانة ، مناصرين له ممن لا يرى سلبيات الجسر التي تحدثت عنها بل ينظر فقط إلى تقليل الوقت اللازم للوصول إلى الجانب الشمالي الذي سيشهد ، على ما يبدو ، مشاريع عمرانية كبرى تم عرض مخططاتها. مؤخرا بدأت الأمانة تشير إلى استبدال الجسر بنفق ، وهي فكرة جذابة تجعلني أتساءل أين كانت هذه الفكرة سابقا؟ ولماذا تأخر طرحها؟ كما يبدو لي أن التقديرات الأخيرة المرتفعة لتكلفة الجسر لن تجعل العامل المادي عائقا عن إنشاء نفق قد يكون موازيا في التكلفة للجسر أو أقل أو أكثر قليلا.
إذا كان عبور خليج أبحر أمرا محسوما فدعونا نطالب بإخراجه على أفضل وجه. وحيث إن الأمانة ، نفسها ، هي التي طرحت فكرة النفق كبديل للجسر فإنها مطالبة الآن ألا تنثني بسهولة عن اختيار هذا البديل الأفضل ، في نظري ، بل تعطيه كامل حقه من النقاش والدراسة والاعتبار.
لا شك أن الأنفاق بصفة عامة أجمل من الجسور فهي لا تصدم النظر مثل ما تفعل الجسور، بل لا يكاد الواحد يشعر بوجودها ، والأمثلة في مدننا كثيرة ، أما في الخارج ، فهي أكثر. وعندما يتعلق الأمر بموئل طبيعي جميل ، مثل خليج أبحر ، فمن الواجب أن يكون الاعتبار الأول هو عدم المساس بهذا الموئل أو تغيير شكله إلا بالحد الأدنى. وعندما يبنى جسر فوق جسم مائي ، خاصة إذا كان ذلك الجسم صغيرا كما هو الحال في أبحر، فإنه ينتهك سيادته ويقلل من شأنه لأنه يجعله معبرا سهلا يتطلع العابرون إلى ما وراءه ولا يقفون عنده. ولذا كان الوقوف على شاطئ البحر الذي لا يرى جانبه الأبعد تجربة فريدة تعطي الناظر الإحساس بعظمة هذا البحر وهيبته وبعد أسراره. الجسر سيقلل من شأن الخليج كله لأنه سيكشف مناطق كثيرة على جانبيه ، بل سيصبح الخليج أشبه بشارع عريض مزدحم بالمباني. لا أنكر أن هناك جسورا جميلة التصميم مثل جسر البوابة الذهبية في سان فرانسيسكو أو جسر البوسفور في تركيا، ولكن هذه الجسور تتلاشى وسط الأجسام المائية الشاسعة والخضرة الكثيفة المحيطة بها في تلك البلاد وهو ما لا ينطبق على خليج أبحر الذي تكاد صفحته الزرقاء تختفي بين المباني المتزايدة ولن تحتمل أية إهانات جديدة. أما الجسور التي بنيت فوق بحيرة الأربعين وبحيرة الأمانة في جدة فهي جسور إسمنتية غليظة لا طابع لها ولا جمال ، وأخشى أن يأتي جسر أبحر مثلها، لاعتبارات مادية أو هندسية، فيشكل طامة كبرى.
الأنفاق تمثل الاتجاه الأحدث والأفضل للتعامل مع الطبيعة دون انتهاكها أو لحفظ طابع المدن. وقد اكتسب العالم خبرة ضخمة في بناء الأنفاق. وكثير من المدن الكبرى في العالم مليء بالأنفاق التي تقطعه بالطول و العرض وتعبر الأنهار والبحار جيئة وذهابا. ومن أطول الأنفاق نفق بحر المانش أو القناة الانجليزية التي تفصل بريطانيا عن أوروبا. طول هذا النفق 50 كيلومترا، وعمقه 75 مترا ، وقد تم افتتاحه في عام 1994م ومنذ ذلك الحين وهو يؤدي دوره بكفاءة وسهولة في نقل أكثر من 16 مليون شخص سنويا. ويصل عمق نفق سيكان في اليابان إلى 240 مترا. وفي مكة المكرمة والعقبات المنحدرة من جبال السروات العالية في المنطقة الجنوبية من بلادنا عدد من الأنفاق الجبلية الجيدة. ويتم الحديث حاليا عن بناء نفق بين مكة المكرمة والطائف بطول 15 كيلومترا. وبالمقارنة بهذه الأنفاق سيكون نفق أبحر مشروعا صغيرا وسهلا إذ لن يتجاوز طوله تحت الماء بضع مئات من الأمتار كما أن عمقه ليس كبيرا. وسيكون هذا النفق أقل إزعاجا من الجسر لآلاف المتنزهين ولأصحاب الاستراحات المحيطة به والقوارب التي تقطع الخليج جيئة وذهابا.
نفق أبحر سيرضي المتطلعين لاختصار المسافة إلى الجانب الشمالي ، وسيكون عمليا وسريعا، وأهم من كل ذلك فإنه ، بعكس الجسر، سيحافظ على جمال الخليج ويمنع عنه انتهاكا بيئيا وجماليا آخر.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 133 مسافة ثم الرسالة