النيتو والرباعية وراسموسين
يمكن أن نصف ما نراه على الساحة منذ اعتلاء باراك حسين أوباما سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن بعكس المثل العربي (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا)، فنحن (نرى طحناً ولا نسمع جعجعة). ولا يهمنا بالطبع سياساته الداخلية ودعمه لاقتصاد بلده لأن ذلك سينعكس في النهاية عليه وعلى شعبه، ولكن ما يهمنا هو السياسات الخارجية التي تتبعها إدارته فيما يختص بهذه المنطقة التي نعيش فيها، والتي توقف إسرائيل تنميتها وتعطل وحدتها بدعم لا محدود من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومن مختلف دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها مثلث النيتو القوي ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا. ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس أوباما خطّة انسحاب مبدئية من العراق قد تكتمل حتى نهاية عام 2011م وربما لا تكتمل، وزاد من تعداد قوّاته المقاتلة في أفغانستان، وكثّف من عمليات قوّاته الجوّية فوق شمال باكستان، ها هو يقدّم التنازلات من جديد لشركاء بلاده الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (نيتو) بقبول شروطهم في عدم تحمّل أي مسؤوليات قتالية إضافية في أفغانستان وتعزيز وجود الحلف الأوروبي في تلك البلاد بخمسة آلاف عنصر دعم غير قتالي، على أن تتولى القوات الأمريكية كافة المهام القتالية الرئيسية في أفغانستان وبالطبع كافة التكاليف المالية. كما أنه قدّم تنازلات غير معلنة للرئيس (ساركوزي) مقابل عودة بلاده للمشاركة من جديد في قيادة الحلف بعد قطيعة طويلة تفجرت نتيجة لتضارب المصالح بين الحكومتين السابقتين لكل من فرنسا وأمريكا نتيجة غزو الأخيرة للعراق دون اعتبار لأحد بما في ذلك الحلفاء في شمال الأطلسي.
ولكن التنازل الأهم فيما يتعلق بعلاقة منطقتنا المستقبلية بحلف شمال الأطلسي الذي قدّمه الرئيس أوباما لحلفائه الأوروبيين بل وتوسّط لإنجازه، تمثّل في الموافقة على تعيين (أندريه بوغ راسموسين) سكرتيراً عاماً لحلف شمال الأطلسي. ولمن يريد أن يتعرف على (راسموسين) أقول هو رئيس الوزراء الدانمركي الذي رفض الاعتذار للمسلمين على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى حريّة الرأي والتعبير التي يعتبرها أهم من الأديان والمعتقدات. وهو مازال مصرّاً على موقفه حتى يومنا هذا. وراسموسين هذا من عائلة يبدو أنها أثيرة لدى ملكة وشعب الدانمرك فقد احتل قبله منصب رئيس الوزراء (راسموسين) آخر وسلّم المنصب بعد استقالته منه بعد اختياره للنيتو لـ(راسموسين) ثالث حيث يبدو أن عائلة راسموسين تتوارث رئاسة الوزراء في الدانمرك. وراسموسين (النيتو) الذي يهمنا هنا هو رجل يميني متطرف تم تأسيسه فكرياً وعاطفياً منذ أن كان طالباً في المرحلة الثانوية على كره الأجانب ومعتقداتهم. وما أن فاز حزبه بالانتخابات وفاز بمنصب رئيس الوزراء حتى بدأ بإدخال تغييرات جذرية على الدور العالمي الإنساني البناء الذي اعتادت الدانمرك على القيام به ضمن المنظومة الاسكندينافية بالمشاركة الفعالة في تشكيلات قوات حفظ السلام في المناطق الملتهبة في العالم، ليشارك بقوات بلاده في مهام قتالية في العراق ضمن تحالف الاحتلال الأمريكي معبراً بذلك عن طموحات سلطوية تفوق إمكانيات بلاده التي اشتهرت بـ(البقر وإنتاج الزبدة). وبالتوازي مع الدور الجديد الذي ارتآه لبلاده بدأ راسموسين التطبيق المنهجي لمبادئه الداعية للحد من الهجرة الأجنبية إلى بلاده ومحاربة من تمكنوا منهم من الإقامة في الدانمرك خاصة من المسلمين. ويعتقد بأن تلك الرسوم الساخرة التي نشرت سنة 2006م في جريدة مغمورة لم تكن تهجماً فردياً من رسام شاذ بل كانت ضمن خطّة مبيتة لبث روح الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين، بدليل صلابة الموقف الرسمي في مساندة الصحيفة التي نشرتها، والإصرار على الاستمرار في الأذى بنشر تلك الرسوم مراراً وتكراراً، وخلق المبررات لإعادة نشرها، مثل الادعاء بأن مسلمين تآمروا على قتل الرسام فكان الرد بنشر مزيد منها.
وكان المتوقع أن تقوم تركيا بصفتها عضواً مهماً في حلف شمال الأطلسي بدورها الإسلامي بمنع شخصية معادية من نوعية راسموسين من احتلال مثل هذا المنصب في ذلك الحلف الذي يشارك في احتلال بلاد إسلامية. وبالفعل فقد أبدى الرئيس التركي عبدالله غل اعتراضه على ترشيح (راسموسين) خلال قمّة (النيتو) الأخيرة في ستراسبورغ/ فرنسا، ولكن تدخل الرئيس أوباما بين الطرفين أدى إلى التوصل فيما يبدو إلى (صفقة سرية) أسقط الرئيس التركي اعتراضاته بموجبها على ترشيح (راسموسين) فتم تعيينه على الفور في المنصب.
ويوم الإثنين الماضي وصل (راسموسين) إلى تركيا وسط تغطية صحفية وإعلامية محلية مكثفة، وتقارير إخبارية تشيع بأن الرجل الذي وصل إلى استانبول للمشاركة في مؤتمر لـ(تحالف الأديان) سيعلن اعتذاره العلني للمسلمين من تركيا، ومن نفس المكان الذي وجّه منه الرئيس أوباما رسالة سلام للمسلمين، وأن هذا ما اتفق عليه راسموسين مع الرئيس (غل) في سبيل إسقاط الاعتراض على تعيينه. ويا لخيبة أمل الجميع فقد ردد الرجل الذي حصل للتو على منصب عالمي سلطوي لا يتناسب مع قدرات بلاده نفس العبارات الجوفاء التي اعتاد على ترديدها كلما سئل عن قضية الرسومات. وليتضح فيما بعد أن الاتفاق بين (غل) و(راسموسين) لم يشمل الاعتذار للمسلمين ولكنه انصب على (إغلاق مكاتب وتلفزيون حزب العمال الكردي) المتمرد على السلطة المركزية التركية، الذي يتخذ من الدانمرك مقراً لنشاطاته الإعلامية.
وهكذا نجح اليمين (الأوروبي) مرّة أخرى في مكافأة متطرف آخر ممن تمتلئ قلوبهم بالحقد والكراهية للعرب والمسلمين في احتلال منصب دولي خطير قد يؤثر عليهم وعلى مستقبل بلادهم في ضوء الفرقة والشتات الذي تعاني منه بلاد العرب والمسلمين. فبعد توني بلير ورباعيته التي أشعلت حرب غزّة لفرض حلّ يريده الغرب بشروطه في فلسطين ها هو (راسموسين) يحتل سكرتارية أهم حلف عسكري يسيطر على أكبر ترسانة عسكرية في العالم، وتنتشر أساطيله المسلحة بكافة الأسلحة النووية وغير النووية في كافة البحار والمحيطات والممرات التي تخترق بلاد العرب والمسلمين أو تحيط بها.
وتكتمل حلقة التحالف الغربي لضرب المنطقة بإيصال (نتن ياهو) و(ليبرمان) للسلطة في إسرائيل ليتشبثوا بمواقفهم المعلنة برفض السلام وتبعاته في المنطقة. وفي هذا السياق تم إيصال حكومة ضعيفة للسلطة في باكستان لضمان عدم قدرتها على السيطرة على البلاد، والإبقاء على جذوة الصراع الفلسطيني- الفلسطيني مشتعلة حتى إشعار آخر. وتبذل حالياً جهود لاستقطاب إيران بقبولها كدولة نووية بقدرات سلمية محدودة ودور إقليمي قيادي، مقابل أن تتحول إلى قاعدة إمداد (لوجستية) لقوات النيتو في أفغانستان.
وبهذا يمكن للمراقب أن يلاحظ بسهولة أن الغرب برئاسة (أوباما) و(ساركوزي) يعدّ العدّة العسكرية بهدوء، وبلا ضجيج أو جعجعة سلاح ظاهرة، لإغلاق ملفات مفتوحة في المنطقة منذ أمد بعيد. ولكن المفاوضات لإنهائها تتطلب قدراً كبيراً من القوّة العسكرية والمفاوضات السياسية التي تقوم على صلابة المواقف والإملاءات التفاوضية. وعندها فقط يمكن التعامل بمبدأ (الجزرة والعصا) فمن لا يستجيب للإملاءات (المفاوضات) يمكن أن يستجيب للقوة..
Altawati@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة