أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
لعبة الأمم: حلف الناتو وأفغانستان
تعدّ أفغانستان واحدة من أفقر دول العالم، حيث يبلغ دخل الفرد فيها في المتوسط حوالى 350 دولاراً في العام، أي أقل من دولار واحد في اليوم، وتعاني أفغانستان من حروب دامية استمرت منذ ثلاثين عاماً، ولازالت الحرب قائمة حتى اليوم. وهي تهدد بالانتقال عبر الحدود إلى جارتها باكستان، حيث تقوم المخابرات الأمريكية التي تملك قاعدتين عسكريتين (داخل باكستان نفسها) بعمليات عسكرية جوية في منطقة الحدود الشمالية الغربية، وهي تهدد بمدّ هذه العمليات إلى منطقة بلوشستان في جنوب غرب باكستان، وتقدّم الحكومة الأمريكية الدعم المادي للحكومة الباكستانية لمقاتلة قوات طالبان باكستان، وتدعم هذا المجهود بميزانية سنوية تصل إلى 1.9 بليون دولار في السنة.
والحقيقة أن حرب حلف الناتو في أفغانستان لم تنجح حتى الآن، ويحاول الحلف تدويلها عبر الأمم المتحدة. وقد زادت الولايات المتحدة من حجم جنودها هناك بحوالي 17 ألف مقاتل، ليصل التعداد الإجمالي للجنود إلى 70 ألف مقاتل. وتضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين لإرسال المزيد من القوات إلى الجبهة الأفغانية، وهناك تردد كبير بين الحكومات الأوروبية حول إرسال القوات إلى ذلك البلد، بسبب ضغط الرأي العام. وقد ضغط الرأي العام في كندا على حكومتها لإعادة الجنود إلى البلاد بنهاية عام 2010م، وحتى بعد إرسال القوات الأوروبية إلى أفغانستان، فإن معظم الدول الأوروبية تتحاشى إرسال جنودها إلى المناطق الشرقية أو الجنوبية من البلاد، حيث تزداد ضراوة الحرب هناك.
وخلال الأسبوع الماضي قامت الأمم المتحدة بعقد مؤتمر دولي في لاهاي لجمع التبرعات من أجل إعادة إعمار أفغانستان وهذا المؤتمر هو خامس مؤتمر يعقد منذ عام 2002م وحتى الوقت الحاضر. حيث وعدت المؤتمرات الأربعة الماضية بصرف حوالي 40 بليون دولار، وحسب إحصائيات البنك الدولي فلم يصرف من هذا المبلغ فعلياً إلا حوالي بليوني دولار. وتأمل الولايات المتحدة أن يتم صرف جزء من الأموال المعتمدة على تمويل الحرب نفسها، حيث تعاني الاقتصادات الغربية من ضغوط اقتصادية نتيجة للأزمة المالية الحالية.
ويعقد في هذين اليومين مؤتمر قمة حلف الناتو في ستراسبورج بفرنسا، حيث سيحضره الرئيس (أوباما) مع خمسة وعشرين زعيماً أوروبياً، وينتظر أن يشرح الرئيس الأمريكي خطته الجديدة لأفغانستان. وتمثّل حرب أفغانستان تحدياً حقيقياً للحلف، فهي أول حرب له على الأرض خارج القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث كانت حرب كوسوفو عام 1999م حرباً جوية بحتة.
ويخشى الأوروبيون من فشل هذه الحرب لذلك فهم يجندون كل طاقاتهم من أجل إنجاحها. وليس لديهم مانع من مدّ الحرب إلى حدود باكستان مع ما يمثله هذا العمل من تهديد عسكري لباكستان نفسها، ولتحالفها مع الولايات المتحدة، وعدم استقرار سياسي فيها وإضعاف للسلطة السياسية فيها.
في الوقت نفسه فإن هناك محاولة لجذب الدول الست المحاذية لأفغانستان للعمل العسكري في أفغانستان، عبر منع مرور الأعتدة والسلاح لقوات طالبان. وقد استهدفت قوات طالبان باكستان مؤخراً معابر نقل عتاد الأطلسي عبر ممر خيبر الموصل إلى أفغانستان.
ويطرح عدد من الاستراتيجيين ضرورة البحث عن طرق إمداد جديدة عبر دول آسيا الوسطى، أو عبر إيران نفسها. وهناك مفاوضات سرية تعقد حالياً بين الولايات المتحدة وإيران من أجل إرسال بعض أعتدة البلدان الأوروبية عبر إيران، وذلك عن طريق بندر عباس- هيرات في شرق إيران.
وتشترط إيران مقابل ذلك رفع المقاطعة الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها. ويبدو أن جزءاً من هذه العقوبات سيتم رفعه من قبل بعض الدول الأوروبية بشكل سري. فإيران، مثلها مثل دول حلف الناتو تعتبر حركة طالبان عدواً مشتركاً يجب القضاء عليه أو تحجيمه.
وتأمل الدول الأوروبية أن يتم التعامل مع إيران حول أفغانستان في وعاء مستقل عن الوعاء الاستراتيجي الخاص بالأزمة النووية الإيرانية. إلا أن مسألة الفصل بين الوعاءين تعتبر أمراً صعباً في المدى المتوسط والطويل.
وبالنسبة لروسيا فقد ضغطت على حلفائها في وسط آسيا (خاصة كيرغستان) بضرورة إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية فيها خلال خمسة أشهر من الآن. وفي الوقت نفسه فإن روسيا تعرض خدماتها على حلف الناتو بفتح منافذها الجنوبية أمام الإمدادات العسكرية للحلف، مقابل صفقة كبيرة حول الصواريخ الأمريكية في بولندا ووسط أوروبا، ومقابل إغلاق الملف الجورجي.
ولعبة الأمم التي تلعب في أفغانستان اليوم لعبة معقدة، فالدول المحاذية لهذا البلد، مثل روسيا والصين وإيران تريد أن يغرق الغرب وحلف الناتو في الوحول الأفغانية.
فلقد سبق أن لعب الغرب اللعبة نفسها ضد الاتحاد السوفيتي ونجح في إخراج قواته من هناك، وسقوط الامبراطورية السوفيتية نفسها عبر خسارتها لتلك الحرب.
ولاشك أن حرب أفغانستان ربما ستستمر ردحاً من الزمن. وقد حاولت عدد من الدول العربية بما فيها المملكة للوصول إلى سلام يحقن دماء الأفغان. وعقدت أواخر شهر رمضان المنصرم محادثات في مكة المكرمة بين بعض قيادات طالبان وممثلين عن الحكومة الحالية في أفغانستان. إلا أن غياب الثقة بين الجانبين قد حال دون وصول تلك المحادثات إلى النتيجة المرجوة. ولاشك أن أحد أهم أسباب نجاح المحادثات السلمية هو إعلان صريح من قوات حلف الناتو ومن الولايات المتحدة بأنها لا ترغب في البقاء في أفغانستان أكثر من عامين أو ثلاثة.
فوجود سقف زمني لانتشار هذه القوات في أفغانستان سيقنع الأطراف الأفغانية بأن تلجأ إلى السلام، وأن تتعاون مع بعضها البعض. كما أن فتح مجال العمل السياسي، خاصة خلال الانتخابات المقبلة في شهر يونيو المقبل، أمام جميع المرشحين لمناصب حكام الولايات الأفغانية سيجذب زعماء المقاتلين الأفغان إلى العمل الديمقراطي بعيداً عن حمل السلاح.
وفي جميع الأحوال، فإن الشعب الأفغاني الضعيف قد سئم الحرب وتبعاتها، وهو بحاجة إلى السلم وخروج القوات الغازية من أراضيه، وإعادة بناء اقتصاده وتحسين الأحوال المعيشية في بلاده.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة